موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

حصل في لبنان .. دخلت لتلد فنسوا الشاش في الرحم!

تروي السيّدة (ج.ك.) قصّتها لـ”النهار” وتقول: “ولدت ابني في أحد مستشفيات الجنوب بسلامة وخرجت بعدها إلى البيت، لكني بقيت أنزف لفترة طويلة، وبعد 15 يومًا من الولادة ارتفعت حرارتي حتى 40 درجة وصرت أشعر بإعياء شديد ولم أعد أقوى على المشي، وكانت تخرج إفرازات سوداء اللون ذات رائحة كريهة. ثم بعد أيام كانت تنخفض الحرارة لترتفع بعدها. بقيت على هذه الحالة حوالى شهرين، إلى حين لم أعد أقوى على ترك السرير بعدما أصبت بأوجاع في الظهر والكليتين والرجلين. أجريت فحوص طبيّة كثيرة من دون أن تظهر عوارض أي مرض. عندها شكّ الطبيب بإصابتي بالسرطان، فأجرى لي فحوصًا خاصّة ليتبيّن أن الكريات الحمراء والبيضاء مختلّة، فطلب إجراء فحص نسائي لكنني رفضت لأنه طبيب صحّة عامّة. وبعد يوم من ذلك عندما دخلت إلى الحمّام، شعرت بثقل في الرحم وأصابني وجع شبيه بوجع الولادة، ونزل مني كبتول من الشاش مع رائحة بغيضة. فاستشرت الطبيب الذي أخبرني أنّه لو لم تنزل الشاشات من جسمي لكنت تسمّمت ومت من دون أن يعرف السبب. عندها توجّهت إلى الطبيب النسائي وهدّدته بتقديم شكوى ضدّه، هنا رمى الخطأ على القابلة القانونيّة لأنّها لم تعدّ الشاشات الموجودة قبل إجراء العمليّة وبعدها، وبما أننا أولاد بلدة واحدة، طلب مني عدم تقديم أي شكوى لأنني سأسبّب فضيحة له ولن يفهم الناس أن الخطأ تتحمّله القابلة القانونيّة. ولكنني بقيت لمدّة ست سنوات أعاني من التهابات حادّة حتى أجريت عمليّة كوي للرحم للتخلّص منها. عانيت كثيرًا ولكنني بصحّة أفضل حاليًا”.

نسمع قصصاً كثيرة عن أخطاء طبيّة يتعرّض لها مرضى في المستشفيّات أو في عيادات الأطباء، بعضها يُكشف عنها وتتفاعل، وأخرى تُحلّ حبيًا بتعويض مالي، وثالثة تبقى طيّ الكتمان، فيما غيرها يكون مبالغاً فيها وتثبت براءة الطبيب من أي إهمال أو خطأ.

كيف يُميّز الخطأ الطبي من المضاعفات الناجمة عن أي مرض؟ هل الخطأ جريمة أم هو قضاء وقدر؟ كيف يعوّض على المتضرّر سواء أكان المريض أم الطبيب؟

كل وفاة سببها خطأ؟!
يقول نقيب الأطباء أنطوان البستاني في حديث لـ”النهار”: “عندما يُعتقد بحصول خطأ طبيّ ما، يقدّم المتضرّر أو من يعتبر نفسه متضرّرًا شكوى إلى نقابة الأطباء، تحال على لجنة التحقيقات المهنيّة التي تضمّ أطباء اختصاصيين في المجال لدراسة الملف وإبداء الرأي العلمي فيه بحسب المعطيات الموجودة. فيصدرون تقريرًا يحدّد السبب ما إذا كان خطأ طبيًا أم نتيجة اشتراكات. لذلك لا يمكن ردّ سبب وفاة كلّ مريض إلى خطأ طبي حاصل، هناك وفاة بسبب الاشتراكات”.

أين التقصير؟
ما هي العقوبات المتخذة في حال ثبُت وقوع خطأ طبي أثناء المعاينة أو المعالجة؟ يردّ البستاني: “في ضوء تقرير الاختصاصيين وفي حال ثبت الخطأ، هناك إجراءات قاسية تتخذ بحقّ الطبيب وفق الحالة، تبدأ بالتنبيه، ثمّ اللوم، مرورًا بالتوقيف الموقت عن العمل، وصولًا إلى الشطب من النقابة. النقابة تتعامل مع هذه الحالات بجديّة تامّة ومن دون تمييع الوقت. كلّ شكوى تبتّ في غضون ثلاثة أشهر كحدّ أقصى. النقابة لا تغطي أحدًا ولا تسترّ على أحد. الخطأ الطبي يضرّ بنا لذلك نعمل على لجم هذه الحالات وتحميل كل شخص مسؤوليّته”.

ويضيف : “أخذنا كثيراً من الإجراءات بحق من أثبت التحقيق خطأهم. هناك أربعة أطباء شُطبوا من النقابة منذ تأسيسها، لكنهم لجأوا إلى القضاء وطعنوا بقرار النقابة. وإلى حين البتّ بقضيتهم عُلّق قرار الشطب وما زالوا يمارسون عملهم في مهنة الطبّ. مرّت نحو ثلاث سنوات على بعض الحالات من دون صدور أي قرار من القضاء. فما ذنب النقابة؟”.

جريمة أم قضاء وقدر؟
هل يُعتبر الخطأ الطبي الذي يسبّب وفاة جريمة أم قضاء وقدر؟ يردّ البستاني : “عندما نقول أن سبب الوفاة خطأ طبي، ينتفي وقوع جريمة، لأنّ هذه الأخيرة ترتكب عن قصد وسابق تصميم. قد يرتكب الطبيب خطأ عن جهل أو قلة اهتمام، وعليه أن يدفع ثمن خطئه. لكن الأكيد أنها ليست جريمة”.

مسؤوليّة إعلاميّة !
تكثر في الفترة الأخيرة الروايات عن وقوع أخطاء طبيّة، تُسرّب إلى الإعلام محدثة جدلًا وبلبلة كبيرين، ماذا وراء هذه الفورة؟ يقول البستاني : “هناك فوضى عامّة، ومن ضمنها فوضى إعلاميّة. من الممنوع القول أن هناك خطأ طبياً قبل صدور نتيجة التحقيق. لا يجوز تحويل التهمة جرماً قبل التثبت من الوقائع، وما إذا كانت الوفاة نتيجة خطأ طبي أم اشتراكات. وهذه النتيجة يتوصّل لها الأطباء الاختصاصيون وليس الناس العاديين”.

ويضيف: “هناك مسؤولية كبيرة يتحمّلها الإعلام عندما يصدر أحكامًا قبل التثبت منها، تمامًا كما حصل مع الطبيب موسى بو حمد، الإعلام لم يرحمه، خصوصًا أن التحقيقات الكثيرة التي أجريت أثبتت براءته، وردّت سبب موت المريضة إلى اشتراكات حصلت معها، على الرغم من تحذيرات الطبيب المتكرّرة لها بضرورة تجنّب الحمل. ما يحصل ليس للتسلية وملأ الصفحات، هناك أخلاقيّات لكلّ مهنة يجب الالتزام بها وعدم تخطيها”.

من يعوّض؟
في حال ثبوت براءة الطبيب المعالج، من يعوّض عليه بعد التشهير به والإساءة إليه؟ يقول البستاني : “لا أحد يعوّض على أحد في هذا البلد. لا الصحافيين الذين تهجّموا عليه ظلمًا وبهتانًا ولا غيرهم. باتت موضة أن نقول أن هناك خطأ طبياً. نعم، هناك أخطاء تُرتكب ونحاسب عليها. ولكن لا يجوز اتهام الطبيب جزافاً وكيفما كان”.

كيف تقدّم الشكوى؟
وعن كيفيّة تقديم شكوى بحق أي طبيب في حال الاشتباه بمسؤوليته في حصول خطأ طبي، يقول المحامي شارل غفري، لـ”النهار”: “يقدّم صاحب العلاقة شكوى (طلب تحقيق مهني) مباشرة على الطبيب، رسمها 300 ألف ليرة (من الممكن إعفاؤه من الرسوم بحسب وضعه المالي). بعد تقديم الشكوى تحال على لجنة التحقيقات التي تنظر بالملف وتعيّن لجنة استشاريّة بحسب الحالة تضمّ اختصاصيين يعيّنون من مختلف الجامعات. تقام مواجهات بين الطرفين ويستمع لهما. تفتح اللجنة ملفًا يضمّ كل المراجعات والمستندات والنقاشات وأدلة الإقناع والثبوت. يكتب تقرير علمي بالوقائع وكلّ ما له علاقة بالعمل الطبي لتبيان ما إذا حصلت المضاعفات نتيجة إهمال أو خطأ. بعدها يرفع التقرير إلى مجلس النقابة الذي يعيد دراسته ويقرّر الأخذ به أو التوسّع بالتحقيق. إذا كان هناك مسؤولية على الطبيب يحوّل إلى المجلس التأديبي وتُنزل فيه عقوبة. وفي حال لم تثبت مسؤوليته، يصدّق مجلس النقابة التقرير ويبلغ أصحاب العلاقة. في حال اعتراض أحد الطرفين على النتيجة، يُعاد التحقيق من جديد مع لجنة استشاريّة مختلفة تضمّ أطباء مختلفين”.

ألا يحقّ للمريض أو من يرى نفسه متضرّرًا من عمل طبي اللجوء مباشرة إلى القضاء؟ يقول غفري : “طبعًا يحقّ له أن يتقدّم بشكوى أمام القضاء. لكن المحاكم الجزائيّة مُلزمة بالعودة إلى النقابة ولجنتها المهنيّة، عكس المحاكم المدنيّة غير الملزمة بذلك ويمكنها تعيين لجنة أخرى. لكن في كلّ الحالات رأي النقابة غير ملزم. فأخيرًا من ضمن 100 حالة، 20 لم يأخذ القضاء بالرأي الصادر عن لجنة التحقيقات في النقابة”.

أرقام وأخطاء
وعن وجود إحصاءات وأرقام حول عدد الشكاوى المقدّمة في هذا الإطار، يقول غفري : “أبرز الأخطاء التي ارتكبت كانت خلال إجراء عمليّات تجميليّة، وعمليّات لتصغير المعدة حيث عامل الخطورة كبير، وعمليّات القلب والرأس. هناك مثلًا سيّدة أجرت عمليّة لأنفها، وبعد خروجها من المستشفى عانت من أوجاع في الرأس، فوصف لها الطبيب مهدئات، إلى حين دخولها في غيبوبة وموتها. خلال التشريح تبيّن أنّ لديها ثقباً في أنفها تسبّب به (الخرّ برّ) المُستعمل في العمليّة، لذلك لو طلب الطبيب معاينتها لكان اكتشف وجود الثقب فقطّبه ونجت من الموت”.

ويضيف: “منذ عام 1996 وحتى 2014 ضمنًا، قدّمت أكثر من 1100 شكوى في النقابة، تحوّل 400 منها إلى المجلس التأديبي نظرًا لوجود ظن بالمسؤوليّة. فصدر 300 حكم بحق الأطباء، وتراوحت الأحكام التأديبيّة بين التنبيه واللوم والتوقيف الموقت عن ممارسة المهنة (40 حالة توقف مؤقت). فيما منع اثنان من ممارسة المهنة نهائيًا وشُطبا من النقابة، لكنّهما استأنفا القرار، فتوقف تنفيذ الحكم إلى حين صدور حكم جديد”.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا