موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الإعلام أمام تهديدات “النصرة”، خادماً للإرهاب أم ناقلاً للخبر؟

الخامسة فجر الإثنين، تتوعّد “جبهة النصرة” بإعدام الجندي علي البزال، بعدما أرجأت تصفيته. بدا الإعلام مترقّباً أي مصاب مُحتَمل. يدرك الإرهاب، خاطف العسكريين، أنّه ممسك بعض الزمام، فإن أصدر بياناً اطمأن الى انتشاره، وإن هدّد بلغت تهديداته المسامع. يصبح النقاش: كيف ينبغي التعاطي مع المعطى الإرهابي، وهل ما يصدر عن “داعش” و”النصرة” مصيره، بالضرورة، التلقّف الجدّي؟ وماذا لو جرى تهميش البيان “الداعشي” أو التغريدة “النصراوية”، واعتبار ما يصدر عن التنظيمين بحُكم الملغى أخلاقياً، تحت طائلة التحوُّل أداة للترويج الإرهابي ومنبراً لنشر تماديه في الوحشية؟

تعذُّر التهميش في الفضاء المُتمدِّد
الإعلام المُتمهِّل إزاء المعركة، سرعان ما يُرمَى بالتقصير والتخاذل. فإن لم تعمد وسيلةٌ الى نقل الصوت “النصراوي”، رفضاً لفحواه وغاياته، يتساءل المُتابع عن وسيلةٍ أخرى تضعه في التطوّرات. لا مفرّ من تهميش “العدو”، أو التظاهر بلا تأثيره في بُنى الأمن والسياسة والاجتماع. حجب المعلومة الآتية من تنظيمي “النصرة” و”داعش”، طرحٌ خارج التداول، كون واجب الإعلام اعتماد مصادر الأخبار، وإبقاء المطّلع على بيّنة. يرفع الافتراض وقْعَ حضور التنظيم، فـ”النصرة” و”داعش” ناشطان عبر “يوتيوب” و”تويتر”، مُتمرِّسان في ضخّ الرسائل. إزاء سُلطة الواقع الافتراضي، والسباق الإعلامي نحو جذب مُشاهدٍ خائف، لا مناص من “تكثيف” اللاتهميش حيال التنظيمين، وإعطاء “العدو” حجمه. يمكن الإعلام هنا تزويد جمهوره المعلومة الصادرة عن الإرهاب، انطلاقاً من كونها “خبرية” تجب متابعتها كي لا يعمّ جهلٌ حيال الواقع، شريطة حذر التحوُّل من “وسيلة” الى طرف يتبنّى التصوّرات الإرهابية، ويروِّج للعقل التخريبي القائم على نصب الفخاخ، والجرّ نحو الحفرة.

صراع الأخلاق والجذب
مئات الفيديوات يُصدِّرها التنظيمان، فكيف السبيل الى تداولها، لا سيما تلك المتعلّقة بمصير العسكر؟ فيديوات (أو صور) تُظهِر الجنود مُهانين أذلّاء، يستغيثون أو يدعون الى “الشغب”، في حال نشرها، تخدم الإرهاب أم القضية؟ يختبر المُتحكِّم بنشر الخبر صراعاً ما بين رغبته في تسديد ضربةٍ للهمجية “النصراوية” عبر طمس سلوكها وإزالة بشاعته، وواقع أنّ المُشاهد/ القارئ، يترقّب كلّ تطوُّر، وإن أبدى يأساً منه أو سخطاً حيال الوسيلة الناقلة. تفصل ما بين الصحافي والمُعطى الإرهابي لحظاتٌ تتراءى طويلة. “ماذا أفعل؟”، يتخبّط في ضياعه. “هل أبعث بخبر عاجل الى الهواتف مفاده أنّ “النصرة” تهدد بإعدام جندي، مرفقاً بساعة الجريمة؟ ماذا لو انعكس وقْع الخبر سوءاً على متلقيه من ذوي الضحية، وهم في الأصل مهترئو الأعصاب، أشبه بفاقدي التوازن؟”. غالب الظنّ أنّ الصحافي، أمام مسؤولية مماثلة، يلجأ الى رئيس التحرير في مؤسسته، فلا يكون قرار الاستجابة للمشيئة “النصراوية” القاضية بسريع نشر الخبر، قراره وحده. يلحظ الصحافي، في المجال الالكتروني تحديداً، أنّ تمهّله حيال المعلومة ريثما يُتخّذ القرار بكيفية معالجتها، قد يقابله حسمٌ من وسيلة أخرى تسارع الى نشرها. يبلغ استعجال بعض وسائل الإعلام بتلقّف المعلومة “النصراوية”، حدّ البداهة، فيشعر المُتروِّي بأنه على خطأ، وأنّ عليه إعادة حساباته في ما خصّ الإذعان المفرط لأخلاقيات المهنة، بما يضمن ألا يتغلَّب تمهّله على فقدان جماهيريته بسبب البطء والمغالاة في المثالية.

علي البزال مثالاً عن الإخفاق في التعاطي؟
تتولّى وكالة “الأناضول” التركية، غالباً، الإفصاح عن الخطوة المقبلة التي تقررها “النصرة”، ناسبة الى مصادرها في “الجبهة” بياناتٍ في جوهرها حرب أعصاب. لن تكترث الوكالة لحسابات حيال لبنان وتصدّعه، ولن يعنيها التروي إزاء صورٍ تُظهِر جنوده المخطوفين يعانون التيه بين الكواسر، وفيديوات توثِّق القهر. ذلك أنها في منأى عن أخذ مسألة الهوية في الاعتبار، وضرورة تمحيص المُعطى، طالما أنه يتعدّى الحدود وأولويات تركيا في المنطقة. تتمرَّس “النصرة” في المعركة الدعائية، وتُتقِن التلاعب بمشاعر العسكريين والوقت و”هيبة الدولة”، مُتخذةً من الجندي علي البزال مثالاً عن التمرّس في البروباغندا. تارةً تضرب العاشرة قبل الظهر موعداً لإعدامه، ثم تتراجع، “مُتكرِّمة” على حياته بأربع ساعات إضافية. تتراجع ثالثةً، وتحسم بأنّ الخامسة فجراً موعدٌ آخر للإعدام، كأنها أمام جماد لا يؤثِّر ويتأثر. تفرض “المزاجية” الإرهابية جواً من مطاردة طواحين الهواء. فلا ينفع، والحال هذه، نكران المُعطى واتخاذ قرارٍ بعدم عرضه، كما لا تنفع، على الجهة المقابلة، المبالغة في تبنّيه كأنه موقف الوسيلة الإعلامية أو لسانها السياسي. قس على قضية البزال قضايا أخرى، غير أنّنا نحدّ النماذج بالمعطى المتعلّق بـ”النصرة” وملف الجنود.

الإعلام في رفضه التحوُّل أداة
اتفقت وسائل الإعلام المرئية على ما يُشبه الميثاق حيال التعاطي مع المُعطى الإرهابي، تفادياً للتحوُّل أداة في خدمة أجندته. تُجمِع “الجديد” و”أل بي سي آي” مثلاً على حجب صوت الفيديوات الواردة من “النصرة”، كون محتواها سُجِّل تحت الضغط، كما يقول الشيخ بيار الضاهر. يضع رئيس مجلس إدارة “المؤسسة اللبنانية للإرسال” في حساباته حاجة الخبر الى الحرية ليجري تلقّفه بأقلّ الخسائر، “والجنود بين أيدي النصرة لا يملكون حرّيتهم، فينبغي حجب ما يُظهِرهم في وضعية مذلّة”. لمديرة الأخبار والبرامج السياسية في “الجديد” مريم البسام، رأيٌ مماثل. تميِّز ما بين ضرورات الخبر العاجل عبر الموقع الالكتروني، وما يرد في النشرة، مؤكدة أنّ المحطة تتعامل بكثير من عدم التصديق مع المعلومة الإرهابية، وأنّ أمثال زريقات لا حضور له في نشرتها.
لا رضوخ أيضاً، وفق البسام، لأي مخطط إرهابي من أي وسيلة إعلامية. فالإعلام ميّال الى جهة الأهالي، و”طالما آثرنا في مقدّمة النشرة انتقاد الخط الإرهابي وتصييره الموت لعبةً”. تقول إن الغاية من عرض الفيديوات طمأنة الأهالي الى سلامة أبنائهم، عبر إظهارهم مدّة ثوانٍ بواسطة الصورة من دون الصوت. وتلفت، بالتالي، الى إشكالية بالغة الأهمية تتعلق بكيفية التعاطي الإعلامي، “إذ تفرض مراعاة مشاعر الأهالي الحدّ من النقد اللاذع حيال الجهة الخاطفة، حرصاً على عدم التذرّع بالاستفزاز لتنفيذ سلوكٍ إجرامي”. فالأهالي، في حرب الأعصاب “النصراوية”، ورقة ضغط أيضاً، يسهل تصييرهم دروعاً بغرض الانتقام والتحذير من التلاعب.
يفرض المُعطى الصادر عن جهات إرهابية عدم التعتيم عليه في الإعلامَين العربي والغربي، فكيف الحال في ظلّ مواقع التواصل؟ الطامة في كيفية التعاطي معه، بذاتية أو موضوعية. في كِلا الحالين، ثمة رابح وخاسر. إن خسرنا ضمائرنا، ضاع كلّ شيء.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا