موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هكذا عايش شربل ابن العشر سنوات السرطان

منذ سنتين عانى شربل ابن العشر سنوات من أوجاع في الرأس، ثمّ ارتفعت حرارته، وتورّمت يداه، فأدخل إلى الطوارئ ليكتشف أنه مصاب بسرطان الدم. هذا الخبر وقع كالصاعقة على العائلة، وتقول والدته لـ”النهار”: “لم نصدّق بداية ما يقوله لنا الطبيب، لم أعرف ما هو اللوكيميا (سرطان الدمّ)، لم أتقبّل فكرة أن يتغلغل هذا المرض الخبيث في جسم ابني، توقف عقلي عن التفكير، لقد كان الأمر صعبًا لكننا تحليّنا بالقوّة لنواجهه ونتحمّل مراحل العلاج الصعبة التي امتدّت على مدار ثلاثة سنوات، ما إن عرفنا أن العلاج ممكن، وأن نسبة الشفاء تصل إلى 90%. لقد صبّرنا الله وابتسامة شربل التي لم تفارق وجهه يومًا حتى وهو موجوع”.

بالإيمان والمورفين
مرّت سنتان على بدء العلاج، وتتبقى سنة واحدة أمام شربل لإنهاء علاجه والعودة إلى حياته الطبيعيّة. خلال سنتين عاش شربل بين المستشفى والبيت، عانى من أوجاع كثيرة خلال العلاج الكيميائي، فقدَ شعره من دون أن يفقد أمله بالشفاء وإيمانه بشفيعه القديس شربل، فتقول والدته: “الفترة الثانية من العلاج أضعفته كثيرًا. كان العلاج قويًا، فكانت تراوده أوجاع قويّة وغريبة لا تخفّفها سوى جرعات المورفين. مرّت فترة لم يكن يستطيع فيها المشي، كنا نحمله. لم أكن أتحمّل رؤيته يتألّم أمامي وأنا مكبّلة لا أستطيع تخفيف ألمه”.

على الرغم من الأوجاع الكثيرة، والقواعد الجديدة التي فرضت عليه، كان شربل قويًا واستطاع تخطّي المراحل الصعبة، وتقول الوالدة: “هو يحبّ اللعب ولكنه كان يعلم بمرضه، ويدرك وضعه، ويلتزم بالقواعد التي عليه التقيد بها، فهو واعٍ لكلّ الأمور وينتبه إلى نفسه. مرّت أيام كان يتأفف فيها من وجوده الدائم في المنزل وعدم قدرته على الخروج أو ممارسة كلّ النشاطات التي يرغب فيها، ولكنّه كان يقتنع بأنها مرحلة وستمرّ”.

لماذا شربل؟
لماذا شربل؟ سؤال طرحته والدته مرارًا، سؤال أجّج مشاعرها وجعلها تذرف الدموع، فتقول: “أنا لديّ ولدان شربل ونيكول، كنت أتسأل دائمًا لماذا أصابه المرض؟ فهو منذ ولادته لم يعاني مكروهًا، لربّما أصابه السرطان لأنه شربل، والقديس شربل لن يتركه. في النهاية أحمد الله على كلّ شيء، نحن مسيحيون وإيماننا قوي، وعندما أصلي للعذراء أرتاح، كلّ إنسان يعيش ما هو مكتوب له. لقد دخل شربل إلى المستشفى في فترة عيد الميلاد وتحديدًا في 17/12/2012، لم أبكِ يومًا أمامه، لم أشعره يومًا بمرضه، ألعب معه وأشدّه من يديه لكي لا يشعر بأي ضعف، إنه قويّ وسيبقى قويًا. الضحكة رفيقته، تقبرني ضحكته ما أطيبا”.

خوف دائم
على الرغم من التحسّن الملموس في حال شربل، وتخطيه أكثر من نصف الطريق، إلّا أن الخوف يلازم والدته دائمًا، فتقول: “أخاف عليه كثيرًا، أخاف من تعرّضه لأي مكروه أو وباء، أو أن يعاوده المرض، هو يحتاج إلى عناية خاصّة إلى حين الانتهاء من العلاج ويعود إلى حياته الطبيعيّة”.
تعلّمت إم شربل الكثير من هذه التجربة، كعدم التعلّق بأمور الحياة، والعيش كل يوم بيومه، والاتكال على الله، والتحلّي بالقوّة، وتقول: “أستيقط صباحًا، أرسم علامة الصليب على وجهي، وأسلّم يومي ونفسي وعائلتي لله، فهو لا يترك أحدًا”.

أرغب في رحلة فقط
ينتظر شربل انتهاء العلاج ليخرج في رحلة إلى الطبيعة، ويقول لـ”النهار”: “لم أنزعج يومًا من مرضي، ولم أحزن يومًا، ولم أبكي يومًا، لقد مرّت الأيام وسأشفى قريبًا، سأكبر وسأصبح graphic designer، ولكنني اشتقت إلى المدرسة وإلى رفاقي، اشتقت إلى الخروج في نزهات، وما إن أتعافى كليًا، سأذهب في رحلة إلى البريّة”.

التهيئة النفسيّة: نصف العلاج
كيف يتقبّل المريض وأهله الإصابة بالسرطان؟ وما هي مراحل العلاج النفسي؟ وهل يترك في نفوسهم ندوبًا؟ تردّ رئيسة قسم “حياة الطفل” في مركز سرطان الأطفال، والاختصاصيّة النفسيّة والاجتماعيّة، رحاب صيداني، لـ”النهار”: “للعلاج النفسي مراحل. بداية نعرّف الأهل والأطفال إلى مرض السرطان وسبل العلاج ونسبة الشفاء منه. نهيئ الطفل، نفسّر له أنه سيدخل إلى المستشفى، وسيتلقى علاجًا، وسيخسر شعره. ننمي شخصيّته وثقته بنفسه كي لا يتأثر بكلام الآخرين. في الجهة المقابلة، نقدّم الدعم النفسي إلى الأهل ليرافقوا أولادهم في رحلة العلاج، ونساعدهم في التنفيس عن غضبهم، والتعبير عن مشاعرهم”.

وتضيف صيداني: “نرافق الطفل ونصبح أصدقاء له، نقنعه بكلّ الأساليب ونساعده في دراسته لكي لا يضيّع سنوات من عمره، نقنعه بأن الحياة مستمرّة ولو أنه مصاب بالسرطان، نصغي له، نخضعه لعلاج من خلال الفنّ أو من خلال نشاطات هادفة، نحضّره لكلّ مراحل العلاج ونعرّفه إليها، ونهيئه لمواجهة المجتمع وتساؤلات الأصدقاء”.

هاجس مزمن
ما بعد الشفاء، تبقى هواجس معاودة السرطان قائمة لدى الأهل والأولاد إذا كانوا واعيين، هذا ما تؤكّده صيداني وتقول: “هواجس معاودة الإصابة بالسرطان تبقى قائمة لدى الأهل، ويتحكّم بهم خوف من عيش التجربة مرّة أخرى، هذا الهاجس هو أشبه بجحيم يرافقهم، تخفّ وطأته ولكنّه لا يزول. هنا يبرز دورنا في مساعدتهم لتخطي هذه المرحلة الانتقاليّة، ونساعدهم للاندماج في الحياة بصورة طبيعيّة مجدّدًا”.

تحديات وصعوبات
افتتح مركز سرطان الأطفال في لبنان في العام 2002، بناءً على اتفاقيّة ثلاثيّة بين مستشفى الجامعة الأميركيّة في بيروت ومستشفى سان جود في تينيسي في الولايات المتحدة الأميركيّة وجمعيّة سرطان الأطفال، بهدف معالجة الأطفال المصابين بالسرطان من دون أي مقابل ومن دون تمييز، بحسب الروحيّة التي رسّخها مؤسّس الجمعية داني توماس وتحت شعار “لا يجوز أن يموت طفل في فجر الحياة”.

وبحسب مدير عام مركز سرطان الأطفال في لبنان، السيّدة هناء شعار شعيب، يستقبل المركز الأطفال ويتكفّل بعلاجهم طوال فترة المرض، وهو يعتمد على التبرّعات في شكلٍ كليّ، وتقول لـ”النهار”: “إن نسبة الشفاء من مرض السرطان تراوح بين الـ60 والـ90%، بحسب النوع المصاب به الطفل. ومنذ عام 2002 عالج المركز أكثر من 1000 طفل، وقدّم استشارات طبيّة مجانيّة لأكثر من 4000 طفل. يلزمنا سنويًا نحو 15 مليون دولار أميركي لتغطية التكاليف، خصوصًا أن تكلفة علاج كلّ طفل هي 50 ألف دولار أميركي سنويً. ويستقبل المركز سنويًا نحو 85 طفلًا جديدًا، ويؤمن الفحوص والتشخيص ويتكفّل بعمليّات لنحو 150 طفلًا، إضافة إلى الأطفال الذين يتابعون علاجهم، الذي يمتدّ إلى ثلاث سنوات كمعدّل عام”.

ونظرًا إلى المشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة وبروز قضية النازحين السوريين، يعاني المركز خلال السنتين الأخيرتين صعوبة في تأمين الأموال اللازمة، بسبب زيادة عدد الأطفال وتراجع القدرة الاقتصاديّة لكثير من المموّلين، وترى شعيب أن “هذا الأمر يدفع المركز إلى استقبال كلّ تبرّع من دولار إلى أكثر، ويفتح بابه لكلّ من يحبّ بالمساعدة بمجرّد التواصل معنا، إضافة إلى وضعنا خطّة سنويّة لبرامج ونشاطات تساعد في سدّ العجز في النفقات”.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا