موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

أحداث لا نعرفها تزامنت والاستقلال!

خرج لبنان من قيود الانتداب يوم 22 تشرين الثاني من العام 1943، بعد أن كان خاضعاً للاحتلال الفرنسي نتيجة تقاسم الفرنسيين النفوذ مع بريطانيا بحسب اتفاقية سايكس- بيكو في منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. وبعد مبادرات لإجراء انتخابات، واتخاذ قرارات وإصدار بيانات طالبت بجعل لبنان بلداً ذا وجه عربي، هُدد الرئيس وأعضاء الحكومة واعتُقل رجال الاستقلال وهم رئيس الجمهورية بشارة الخوري، ورئيس الحكومة رياض الصلح، إلى جانب عادل عسيران، كميل شمعون، عبد الحميد كرامي وسليم تقلا واحتجزوهم في قلعة راشيا ما دفع بوزير الدفاع الوطني آنذاك الأمير مجيد إرسلان ورئيس مجلس النواب صبري حمادة والوزير حبيب أبو شهلا إلى اللجوء إلى منطقة بشامون في جبل لبنان حيث ألفوا حكومة موقتة طرحت تعديلات دستورية ورفعت العلم اللبناني. لكن تبقى بعض التفاصيل التي لا يعرفها كثير من اللبنانيين التي حصلت قبل يوم الاستقلال وأثناءه.

– كلمات السر لدخول البيت

أخذت حكومة الاستقلال من منطقة بشامون مقراً لها، وكانت مؤلفة من حبيب أبي شهلا نائباً لرئيس مجلس الوزراء، الأمير مجيد إرسلان وزيراً للدفاع، صبري حماده رئيساً لمجلس النواب ومؤازراً الحكومة في أعمالها ومقرراتها. وعيِّن خليل تقي الدين بالوكالة لغرفة رئيس الجمهورية، واكتمل عقد المساعدين بوصول منير تقي الدين ونعيم مغبغب وأديب البعيني وهاني الهاني. كانت الحراسة حول المنزل مشددة من شبان من البلدة يعرفون مداخل المنطقة وطرقاتها، وما لا يعرفه كثُر أنه اعتمد في كل فترة كلمة سر كان من الواجب أن يقولها المار بقرب المنزل، فإذا لم يعرفها يتم إلقاء القبض عليه ويجري التحقيق معه. وكانت كلمة السر:

في اليوم الأول: بشار – رياض

في اليوم الثاني: راشيا – بشامون

– شهيد واحد في معركة الاستقلال

ما لم تذكره كتب التاريخ، وما لا يعرفه كثيرون هو أنَّ شهيداً واحداً قضى أثناء معركة نيل الاستقلال هو سعيد فخر الدين. حاول سعيد مقاومة الجنود الفرنسيين ومنعهم من الوصول إلى مقر الحكومة في بلدة بشامون عام 1943، حيث خرج من وراء المتراس وقذف المصفَّحة الفرنسية بقنبلة يدوية، فانهال عليه الرصاص فسقط على إثره شهيداً. وأصدر آنذاك وزير الدفاع الوطني اللبناني الأمير مجيد أرسلان بلاغ رقم واحد جاء فيه:
“هاجمت قوات إفرنسية مسلحة مركز الحكومة الشرعية في بشامون مساء الاثنين في 15 تشرين الثاني 1943 فردتها وحدات الحرس الوطني دون خسائر في النفوس. وفي صباح اليوم الثاني شنت القوات الفرنسية هجوماً عنيفاً على المركز المذكور فردَّت على أعقابها أربع مرات متوالية حتى الساعة الثالثة بعد الظهر وسقط بعض القتلى والجرحى من الجنود السنغاليين وفقدنا شهيداً واحداً يدعى سعيد فخر الدين من عين عنوب”.

– تخبئة المحضر داخل تمثال السيدة العذراء

عندما تمَّ تعديل الدستور خاف خليل تقي الدين الديبلوماسي والصحافي الذي رافق المجلس النيابي اللبناني منذ مطلع الدستور سنة 1926 على محضر التعديلات من السرقة أو الضياع، فاتصل بنائب البترون آنذاك يوسف ضو، وقال له “أنا خائف على المحضر ما العمل”، أجابه “إبقى مكانك أنا آتٍ”. وصل إلى المجلس النيابي في ساحة النجمة، ثم توجها معاً إلى كنيسة الكبوشيين في باب إدريس، وقاما بتخبئة محضر التعديلات داخل تمثال السيدة العذراء، وبقي مخبأً هناك حتى يوم 22 تشرين الثاني، يوم أُعلن استقلال لبنان.

– حكومة انتقالية في مصر

عندما برزت مذكرة من المجلس النيابي تدين الممارسات الفرنسية من حيث الاعتقال وغيره، ذهب الأمير مجيد إرسلان وخليل تقي الدين وصبري حماده إلى الكولونيل سيل الإنكليزي الذي قال لهم “ليس بمقدوري مساعدتكم، فالسلطات الفرنسية جادَّة في مسألة اعتقالكم، يمكنني فقط أن أجهِّز طائرة خاصة لكم كي تسافروا إلى القاهرة لإنشاء حكومة في المنفى هناك”. فأجابه الأمير مجيد إرسلان: “نحن مصممون على المقاومة، إما الاستقلال أو الاستشهاد”. وأردف من جهته حبيب أبي شهلا قائلاً “نشكرك على العرض، ونعتذر عن قبوله”.

– العلم اللبناني

العلم اللبناني الأول الذي نعرفه بحسب شكله الحالي أخذه شبان مسيحيون ومسلمون من بيروت وتوجهوا به إلى بيت الاستقلال في بشامون حيث كان هناك احتضان شعبي لرجالات الاستقلال. يومها، خاطب حبيب أبي شهلا الأمير مجيد إرسلان قائلاً: “بما أنني أمثل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أطلب منك الحفاظ على العلم وحمايته”، فركع الأمير مجيد وقبَّل العلم، وأجابه: “سوف أذود عنه بدمي وأبذل في سبيله روحي”. وارتفع بعدها العلم يوم 19 تشرين الثاني على مبنى حسين الحلبي في بشامون.

– تفاصيل اللحظات الأخيرة قبيل الاستقلال

يُروى عن الشيخ بشارة الخوري أنَّه استيقظ باكراً وخرج إلى الدار قبالة المنزل يوم 22 تشرين الثاني 1943. شاهد معاون الضابط الذي كان يراقبهما في اليومين الأخيرين آتياً نحوه، ثمَّ وقف وقفة عسكرية وقام بتحيته، ورفع يده إلى قبعته، عندها شعر الرئيس الخوري أنه لم يعد معتقلاً. ثمَّ عقد اجتماعاً طويلاً أخبره فيه الرئيس رياض الصلح أنَّ الكولونيل بواسو ومساعدوه وصلوا في الليل لنقلهما من القلعة عنوةً. انقضى قسم من الصباح وكانا بانتظار السيارات التي ستقلهما إلى بيروت. خرجا من الغرفة ومشيا في الدار الخارجية حيث تبادلا الأحاديث في شأن ما جرى. شاهدا غبار سيارات ثلاث يتصاعد من بعيد، ثمَّ ما لبث أن دوَّى صفير الحراس وطلبوا إليهما العودة إلى الغرفة. لم يطُل الوقت داخل الغرفة، فبعد برهة دخل المندوب الفرنسي لدى الحكومة اللبنانية المسيو دافيد، يرافقه الزعيم نوفل وأبلغا الرئيس بشارة الخوري أمر الإفراج، الذي أبلغه بدوره إلى المعتقلين الآخرين. ودعا الرئيس الخوري بعض الحراس لإعداد الحقائب. وبعدها طلب منه المسيو دافيد أن يستقبل فور وصوله إلى بيروت الجنرال كاترو فعيَّن له الساعة الثالثة من بعد الظهر. وما إن خرج الخوري من الغرفة حتى دنا منه نوفل وقدم له كتاباً باستقالته من منصبه، فأعاده إليه الرئيس بشارة الخوري، وقال له: “عند رجوعنا إلى بيروت نرى ما في الأمر”.

قد يعجبك ايضا