موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

في لبنان … أصبح لديها ثلاثة عشر ولدًا من غير إنجاب!

هي لم تختبر مشاعر الأمومة، وهم حرموا من أمهاتهم. هذه المعادلة كانت كفيلة لتجمع تيريز مع ثلاثة عشر طفلًا. أحسّت بفضلهم بمشاعر الأمومة التي لم تكتشفها سابقًا، وساعدت أطفالًا فقدوا أمهاتهم، فكانت لهم الحضن الدافئ والعين الساهرة والقلب الحنون.

13 ولدًا لم تنجبهم
دخلت تيريز إلى قرى الأطفال SOS منذ 14 عامًا، دخلت لتجرّب الحياة مع الأطفال، وسرعان ما تحوّلت وظيفتها إلى رسالة أمومة وإنسانيّة. تقول تيريز لـ”النهار”: “عندما بدأت العمل في قرى الأطفال، توليت مسؤوليّة تسعة أولاد، ومع مرور 14 عامًا ربيّت 13 ولدًا. جميعهم كبروا، منهم من انتقل للعيش في مساكن خارجيّة تابعة لقرى الأطفال ومنهم من بدأ العمل واستقلّ، يزورونني نهاية كلّ أسبوع وفي المناسبات، وما زال يسكن معي في البيت طفلان، خضر وسمر. لدي ابنة متزوّجة وأنجبت صبيًا وفتاة فأصبحت جدّة، وواحدة مخطوبة على وشك الزواج، وشاب على وشك إعلان خطوبته، أما الباقون فما زالوا يؤسّسون مستقبلهم”.

لا تزال ماما تيريز (كما يناديها أولادها) على تواصل مع كلّ أبنائها، تخاف عليهم وتحمل همومهم معها، وتقول: “صحيح أنهم كبروا واستقلّوا، ولكن هذا بيتهم ويأتون إليه ساعة يريدون، يزورونني في نهاية كلّ أسبوع وفي المناسبات والأعياد. نحن على تواصل دائم، يخبرونني عن مشكلاتهم وطموحاتهم ومشاريعهم، يستشيرونني ويأخذون بنصيحتي. أنا والدتهم التي ربّتهم وهم أولادي، عندما أذهب في إجازة أخذهم معي إلى منزل أهلي، علاقتنا متينة والحمدالله”.

ملأوا فراغًا في داخلي
لا تعتبر ماما تيريز عملها في SOS عاديًا أو مجرّد وظيفة تعيش من خلالها، بل هي رسالة وأكثر، إنها حاجة لها، تملأ من خلالها الفراغ الذي سكنها سنين طويلة، وتقول: “صحيح أن لديّ عائلة خارج قرى الأطفال، ولكني انتقلت إلى هنا عن قناعة وإرادة ورضا. أحبّ ما أقوم به، قد يتولى المرء أي وظيفة فينهي دوامه ويعود إلى منزله ولكنه سيعيش فراغًا دائمًا. عملي في SOS ملأ الفراغ الذي كان يسكنني، فأنا لم أتزوّج ولم أنجب أطفالًا. إنه ثمرة في حياتي ويعطيني مردودًا عاطفيًا، من الجميل أن نربي أطفالًا، وأن نحبّهم ويحبوننا، إنها أعظم نعمة في حياتي لقد بات لي عائلة وأولاد”.

الميلاد والأمّ: عيدانا المفضّلان
أجمل فترات السنة لدى تيريز وأولادها، هي تلك التي تسبق عيد الميلاد وترافق عيد الأمّ، تصفها تيريز قائلة: “إنها أجمل فترات السنة، في عيد الميلاد نزيّن منزلنا مثل أي عائلة، نضع الشجرة والمغارة، وأخصّص بضعة أيّام لجلب ثياب العيد للأولاد، ننتظر ليلة الميلاد لنجتمع ونستقبل المسيح معًا. في اليوم الثاني يذهب الأولاد عند عائلاتهم الحقيقيّة لكي تتوطّد الروابط في ما بينهم. لكن ليلة العيد دائمًا مميّزة، أجتمع مع أولادي ونحتفل، نحضّر المأكولات والمقبّلات، ونسهر معًا ونصلي ونتسلّى ونقوم بكلّ ما يحبّه الأولاد، وننتظر حلول منتصف الليل ليوزّع علينا عمو جوزف (مدير المركز) الهدايا وهو يرتدي زي بابا نويل”.

أمّا لعيد الأم فمكانة خاصّة لدى تيريز وأولادها، الذين لم ينسوا فضلها عليهم، لم ينسوا أنها ربّتهم واعتنت بهم منذ طفولتهم، بعدما فقدوا أمهم الحقيقيّة، ينتظرون هذا العيد ليعبّروا لها عن حبّهم وامتنانهم لها، فتقول تيريز: “في عيد الأم يأتون كلّهم إلى البيت، ويعدّون لي مفاجأة على الرغم من معارضتي، فأنا لا أحبّ أن أكلّفهم شيئًا، ولكنّهم لا يصغون إليّ، يتفقون معًا ويعدّون المفاجأة ويجلبون قالب حلوى وهدايا، لديهم حسّ المبادرة، حتى إنهم لا ينسون عيد ميلادي أيضًا. لقد تركت أثرًا طيبًا في نفوسهم وهذا ما يفرحني”.

بالحبّ والحوار نمضي
ككلّ أم تعاني تيريز صعوبات في تربية أولادها، لكن شعارها الوحيد هو “الحبّ والحوار”، اللذان يحلّان كلّ المشكلات مهما كانت كبيرة ومستعصية، “أولادي كما كلّ الأولاد، لديهم مشكلاتهم وهمومهم الخاصّة، لكن الحوار أساسي في عائلتنا، لا يعيشون في نظام عسكري، بل كلّ يعبّر عمّا يجول في خاطره. الصعوبة الأكبر التي تواجهني هي عندما يأتي الولد إلى البيت، فهو يدخل إلى جوّ جديد بعدما ينسلخ عن أهله ويحمل مشكلاته معه، فأصوّب تركيزي على عمليّة دمجه في البيئة الجديدة التي دخلها ليتأقلم مع أخوته الآخرين وليتقبّلني ويناديني ماما. التركيز الأوّل يكون على تأقلمهم وتقبّلهم الوضع الجديد، وبعدها تصبح كلّ الأمور سهلة. نتشاجر مثل أي عائلة، ولكننا لا ننام من دون أن نتحاور ونصفي قلوبنا، كي لا تنمو بذور الحقد بيننا، يعبّرون عن رأيهم وأنا أيضًا. في فترة المراهقة أعاني قليلًا من رفضهم لبعض الأمور، فأفكاري تصبح رجعيّة بالنسبة إليهم، ولكنه أمر طبيعي”.

لا شيء غير اعتيادي في حياة تيريز وأولادها، يعيشون في منزل خاصّ، ويكبرون في أجواء عائليّة، يندمجون مع بعضهم ويتحوّلون إلى أخوة. هذا ما تؤكّد ماما تيريز الفخورة بهم كلّهم: “اندمجوا مع بعضهم، وتربّوا كعائلة، كلّهم أخوة، أتوا صغارًا وكبروا معًا واعتادوا بعضهم بعضًا، يتشاجرون أحيانًا ولكنّهم يحبّون بعضهم، إذا أحدهم رأى شقيقًا يُعتدى عليه يدافع عنه، هناك ترابط بينهم، عندما نكون في السوق، واستحلى أحدهم شيئًا ما ولا يملك مالًا، يجلبه له شقيقه أو شقيقته أو من معه مالًا، أولادي كرماء”.

لا غيرة ولا تملّك
يُقال أن لكلّ أمّ ولد مفضّل عن غيره، ويُقال أنها تغار عليهم وتحبّهم إلى درجة التملّك، هو ما ترفضه تيريز قائلة: “أحبّهم كلّهم مثل بعضهم، ولكن هناك حالات تستدعي القلق أكثر من غيرها، كلّهم أولادي، ربّيتهم كلّهم، وأحبّهم كلّهم، ومتعلّقة بهم كلّهم. كما لا أغار من أهلهم الحقيقيين الذين يزورنهم مرّة شهريًا، على العكس نتواصل دائمًا لمصلحة الأولاد، أنا لا أتبارى مع أهلهم عليهم، بل أتمنى أن يحاوطوهم ويخافوا عليهم وأن لا يقصّروا تجاههم، أنا أدرك أنني لست من أنجبهم ولكنني أنا من ربّيتهم، لكن ذلك لا يوصلني إلى حدّ الأنانيّة والتملّك”.

قد يعجبك ايضا