موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

19 لبنانياً يُدفنون اليوم: أشلاء قتلتها الغُربة

يجلس العمّ فيصل أخضر في ركن باحة الشحن في المطار، حاملاً بإحدى يديه سُبحة، مردداً كلمات دينية بصوت خافت. عيناه غائرتان شاردتان، ولحيته كثيفة بيضاء تصبغ وجهه بحزن قديم. ينتظر العمّ وصول الطائرة التي تقل جثامين تسعة عشر لبنانياً قضوا في تموز الماضي، إثر تحطم طائرة جزائرية فوق صحراء مالي، كانت تقلّهم من بوركينا فاسو الأفريقية إلى لبنان، عبر الجزائر، وقُتل آنذاك ركّابها المئة وستة عشر.
منذ خمسة أشهر، والعمّ فيصل ينتظر دفن ابنه محمد في حفرة صغيرة ببلدته الجنوبية، مثلما انتظرت عائلات رندة ضاهر وأولادها الثلاثة، ومنجي الحسن وزوجته وأولادهما الأربعة، وبلال دهيني وزوجته وأولادهما ريان وأليفيا ومالك. خمسة أشهر وأهالي جوزيف الحاج وعمر بلان وفادي رستم ينتظرون، يبحثون، يسألون: «متى نودّعهم؟ متى ندفنهم؟». عند الثامنة إلا ربعاً من مساء أمس، حطّت الطائرة في المطار، بينما كان أهالي الضحايا ينتظرون في باحة الشحن الخارجية، متشحين بالسواد، تغطّي وجوههم ملامح القلق والحيرة. والدة محمد أخضر رفضت انتظار ابنها العشريني في المطار: «تريد أن تودّعه في المنزل، تريد أن تجلس إلى جانب النعش، وحيدة. هنا في المطار ستنهار من البكاء. تريد أن تبكي ابنها وحدها»، يقول ابن عم محمد لـ «السفير».

أفراد الفرقة الموسيقية الرسمية يتجهزون لعزف «لحن الموت». نواب ووزراء وضبّاط يترجّلون من سياراتهم الفخمة بمواكبها الاستعراضية، يبحثون عن الكراسي في الصفوف الأمامية. يجلسون ثم يقفون ويعبسون وهم يرددون لمندوبي وسائل الإعلام عبارات مثل «الأسف»، و»المأساة»، و»إهمال الدولة»، فيما الأهالي ينتظرون بقلق: «الدفن صباح الغد»، كانوا يقولون، كما لو أنهم يقتلون الأمل ويؤكدون المؤكد: «بعد قليل يصل أولادنا، لكنهم في توابيت، أشلاء، سيصلون في توابيت».

أوليفيا الدهيني طفلة. يحمل أحد أقاربها صورتها حابساً دموعه بعيداً من زحمة المصوّرين. يقول محمد أخضر إن ابن عمه كان يعيش مع أهله في أفريقيا، وطلب من والده الانتقال إلى لبنان. يقترب الفتى الذي يحمل صورة أوليفيا من محمد، مستمعاً إليه: «ولما رجع على لبنان، درس إدارة الأعمال بالجامعة. تخرّج بدرجة جيد جداً. فتّش عن وظيفة. 3 أشهر وهوي عم يفتش. بالآخر قرر يهاجر على بوركينا فاسو. كان بدّو يعيّد مع أهلو بعيد الفطر، بس مات بالطيّارة وما قدر يودّع أهله. محمد كان ذكي وبيتعب بالشغل. همّو الوحيد إنو يساعد أهله، ويعيش بلبنان. ساعد أهله بس ما قدر يعيش بلبنان. بكرا حَ ندفنه بالضيعة».

يبتعد الفتى خمس خطوات إلى الوراء، يستدير ويمشي باتجاه جوزيف أبو جودة، الذي كان يتحدّث مع صحافي عشريني عن صديقه الراحل جوزيف الحاج: «عمره 46 سنة، من بلدة عينطورة، بس عاش بالزلقا. بدأ حياته من الصفر بأفريقيا وصار رجل أعمال ناجحاً. ساعد اخوته الأربعة. عنده 3 أولاد. كان حلمه الاستقرار بلبنان. بكرا حَ نصلّي على روحه بالكنيسة، وندفنه بالضيعة». يسمع الفتى أصوات الآلات الموسيقية تعزف لحناً حزيناً. تدخل سيارات الإسعاف وفي داخل كل منها نعشٌ خشبي وعلى زجاجها الأمامي صورة الضحية.

ترفع زوجة جوزيف الحاج يديها عالياً وتهوي بهما على وجهها صارخة: «يا ألله». يحتضن الفتى صورة أوليفيا ويبكي عابساً محاولاً كبح دموعه لكن عبثاً. مواكب الوزراء والنواب والضباط تغادر الباحة باستعراض لا يحترم رهبة الموت. الصوَر على سيارات الإسعاف تعلن عن هوية النعش، تستدعي الأهالي فيتوزعون قرب السيارات وخلفها، يحدّقون في الصوَر والتوابيت، منهم بصمت وخشوع، ومنهم من يصرخ: «ابني مات.. ابني راح».

جعفر العطار – السفير

قد يعجبك ايضا