موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ايف واليان وحسن قتلوا بسلاح مرّخص

لبنان غابة من السلاح.. سلاح شرعي وسلاح مُشَرَّع، وآخر شُرِّع باستهتار واستخفاف، وسلاح غير شرعي ولا مشرِّع، يقتل بلا وازع ولا رقيب، وهو ما يسبّب عشوائية القتل المجاني، وفوضى الاستهتار بأرواح البشر.
خلال الأسبوعين الأخيرين قتل الشاب إيف نوفل (27 عامًا) وجرح صديقه سابا نادر في احد مطاعم فاريا – عيون السيمان، بسلاح مرخّص، حين أطلق ش. خ ومعه شخص آخر 17 رصاصة على سيارتيهما. وبعد ذلك بأيام قليلة قُتلت إليان صفطلي (20 عامًا) بالرصاص عند الرابعة من فجر الإثنين الماضي على أثر شجار بين ح.ح. وحرّاس ملهى ليلي في الكسليك منعوه من الدخول للسهر، فاستلّ سلاحه وأطلق رصاصات في الهواء، قتلت إليان التي صودف مرورها اثناء إطلاق النار، فاستقرّت الرصاصة في رأسها. وقبل ذلك بأيام قتل الشاب حسن العريبي برصاص آخرين تشاجروا مع مجموعة من الاصدقاء، كان المغدور بينها في ملهى ليلي في زحلة، وأُصيب برصاص من سلاح مرخّص فقتل ايضا.

رقم مخيف

هذه الحوادث الثلاثة التي أخذت قسطها من الأضواء الإعلامية حصلت خلال اسبوعين، لكن لائحة الذين قتلوا بالسلاح المرخص في لبنان لا تنتهي، وهي متعددة الوجوه والاسباب والمؤديات، وأبرزها الخلافات المفاجئة، والرصاص الطائش خلال الاعياد والمناسبات وخطابات الزعماء السياسيين، غير انها تتقاطع عند حقيقة واحدة، هي فوضى السلاح في لبنان، وعشوائية منح التراخيص وآلياتها الركيكة، لا سيما ان الجهات المخولة إصدار هذا النوع من التراخيص متعددة، وهو امتياز يكاد يكون موزّعًا على كل الأجهزة الامنية او غالبيتها في أحسن الاحوال، الى عدد من الجهات الرسمية الأخرى، علما أن القانون أناط بوزير الدفاع وحده إصدار هذا النوع من التراخيص، على ان يُراعي عددًا من الاعتبارات الجوهرية، وهذا ما جعل أعداد تراخيص حمل السلاح تتجاوز المئة ألف ترخيص في لبنان، وهو رقم مخيف فعلاً.
وللوقوف على حقيقة عدد التراخيص الصادرة عن الغرفة العسكرية في وزارة الدفاع وأسباب إصدارها حاولت “النهار” الاتصال بالوزير سمير مقبل مرارًا، لكن هاتفه كان مقفلا دائما، وغير موجود في الوزارة.
وبعدما سمعنا أن أي جهة رسمية لن تعطي أرقاما رسمية لعدد التراخيص القانونية لحمل ونقل الاسلحة، لأن ذلك من المحظورات الوطنية، اعتمدنا الاستقصاءات الخاصة التي تشير الى ان تضخم أعداد تراخيص السلاح يعود الى انها واحدة من الامتيازات التي توزع على كل الشخصيات والفاعليات والكوادر ورؤساء البلديات والمخاتير وكل النافذين، ليوزعوها على المحاسيب والانصار بشكل يكاد يكون متساوياً.. لكن الاعداد الكبرى تمنح للاحزاب حيث ان لكل حزب “كوتا” معينة، ومسؤولوه هم الذين يوزعون الرخص على المحسوبين سياسيا، إضافة ان لكل وزير وكل نائب وكل شخصية حصة من التراخيص.

آليات أخرى

والمشكلة برأي خبير أمني فضَّل عدم الكشف عن اسمه، وذكر لـ”النهار” مجموعة كبيرة من الملاحظات الجوهرية على طريقة منح هذه التراخيص، بحيث أدّت هذه الآليات الخاطئة الى حصول الارهابيين على التراخيص. وأضاف ان ثمة الكثير من الارهابيين والملاحقين يحملون أسلحة حربية مرخصة ويقاومون بها دوريات الاجهزة الامنية والعسكرية عندما تتم مطاردتهم.
اضافة الى ذلك، فإن نسبة حاملي السلاح الظاهر على الخصور باتت كبيرة جدا في الشوارع والازقة، وثمة مشاهد منفّرة خصوصًا عندما تجد الشبان المراهقين بين الـ 18 والـ 19 عامًا يحملون مسدسات حربية بشكل ظاهر اينما كان، في المطاعم والمتاجر وعلى الطرق، ولا تجد سائق سيارة فان ممّن يعملون بنقل الركاب بالأجرة الا ويحمل سلاحًا حربيًّا يشهره عند أول ملاسنة بينه وبين سائق آخر، ولو بسبب راكب، او على افضلية مرور.

طلب الحماية
تلك المشاهد النافرة تؤكد ان الموت بات رخيصًا جدًا، وهي لا تعد ولا تحصى، لكن طريق العودة عن الخطأ المتمادي، الذي يوزع موتًا ومآسي في كل الامكنة والزوايا في لبنان يبدأ، بحسب رأي الخبير الامني، بإلغاء تراخيص الأسلحة نهائيًّا، واعتماد آليات أخرى للحماية. فإذا شعر أحدهم بأنه مهدد، فبإمكانه ان يطلب حماية قوى الامن الداخلي، شرط ان يكون ذلك عن استحقاق وعلى نفقته الخاصة، أي أن يدفع للمؤسسة أجرته على غرار ما يفعل العميد المتقاعد من المؤسسات العسكرية والذي يحسم من راتبه مبلغا يوازي الحد الادنى للاجور وهو الآن 850 الف ليرة لبنانية كبدل سائق يفرز معه بعد تقاعده من الخدمة العسكرية.
ولكن اذا كان لا بد من تراخيص حتّى حينه، فعلى السلطات المعنية أن تشدد الى أقصى الحدود في منح التراخيص، اذا كان لا بد منها، على ان تكون تراخيص نقل سلاح وليس حمله، وتتضمن منع حمل السلاح نهائيا في الأماكن العامة، تحت طائلة مصادرته فورًا، ويجب ان تعطى الرخص على أسس واضحة وسليمة، بعد اخضاع طالب الترخيص لعدد من الاجراءات الضرورية والملحة من قبيل إجراء مقابلة أمنية معه لتبيان وجه الضرورة لحصوله على ترخيص.
كما عليه ان يرفق طلبه بمستند السجل العدلي الذي يبين خلوّ سجله من الجرائم، ومستندات تؤكد حاجته الماسة لترخيص نقل السلاح، إضافة الى شهادة طبية مصدقة رسميا تثبت انه شخص طبيعي، وورقة من الجمارك تثبت انه اشترى قطعة السلاح من مكان مرخّص (علما ان المحال المرخصة لبيع الاسلحة في لبنان غير موجودة)، وان يكون طالب الرخصة تجاوز عمرًا معينا، وان يتضمّن الترخيص رقمًا محددًا لقطعة السلاح المرخصة، وليس كما جرت العادة.
ثم يجب فرض رسم سنوي على الترخيص قدره حوالى مليوني ليرة على الاقل لكي يتم التخفيف ما امكن من أعداد التراخيص، لان ذلك سيقلص عدد طالبي التراخيص الى ما نسبته 10 بالمئة من اعدادهم اليوم.

ويخلص الخبير الى تأكيد عدد من النقاط التي تختصر المعادلة:
أ – كل الذين ارتكبوا الجرائم الاخيرة هم من الشبان وممن يحملون تراخيص حمل سلاح.. اي ان السلاح الذي قتل ايف وإليان وحسن والمئات غيرهم كان سلاحًا مرخصًا.
ب – لن تجد من يحمل سلاحًا ويتجوّل به في الشوارع في أي بلد في العالم، مهما علا شأنه.
ج – ليس هناك في العالم من حمى نفسه بترخيص سلاح، لأن هذا السلاح المنتشر لا يحمي أبدًا، ومن يحملون أسلحة على أنواعها لا يستخدمونها في حماية أنفسهم بقدر ما يستخدمونها في الاعتداءات على الابرياء، لأن السلاح بذاته، لا يحمي حامله، بل يجعله يرتكب جريمة.

من هنا نشير إلى ضرورة سن قانون يوقف العمل بسرعة بكل تراخيص حمل الاسلحة نهائيا وبشكل جذري باعتبار ان ذلك وحده سيخفف الجرائم بالتأكيد.

قد يعجبك ايضا