موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

مرّت الرصاصة بين رأسي ورأس أمي: ابتهاجكم الطائش يقتلنا

لم تعد جرعات الرصاص التي أدمن اللبناني إطلاقها عند كل موقف يواجهه تكفيه، فبعد أعوام على “تعاطيه” الرصاص في الأفراح والأتراح، بدأ بادخال نوع آخر أعلى درجة هو الآر بي جي لينتقل الى “مادة” جديدة تمثلت بالقذائف الصاروخية التي أطلق بعضها لمناسبة خطاب الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصر الله الأخير.

ضحايا “مهرجانات” الرصاص الحاضر في جميع المناسبات السياسية والرياضية والعائلية كثر. من حالفه الحظ منهم لم تصبه رصاصة طائشة كما حصل مع مهى التي مرت الرصاصة فوق رأسها خلال الخطاب الاخير لنصرالله، ومن كان أقل حظاً سقط جريحاً كالشابة ندين جوني، ومن خانه حظه سقط قتيلاً كما حصل مع وديعة حسن بيضاوي (مواليد 1988)، الأم لولدين والحامل في شهورها الأولى، التي قضت من وراء نافذة منزلها في نيسان الماضي عندما كانت تتابع عرساً في مدينة صيدا القديمة، بعد أن اصابتها رصاصة في رأسها فأردتها قتيلة.

أمثلة من قائمة طويلة

مهى (27 سنة) كادت أن تموت لولا لطف الله كما شرحت لـ”النهار”: ” سمعت أصوات رصاص فهببت وأمي إلى شرفة منزلنا في منطقة راس النبع لرؤية ما يحصل كوننا نسينا ان خطاب السيد في تلك الساعة، وما هي لحظات حتى مرت الرصاصة بين رأسي ورأسها ، صدمت لأني شعرت ان الموت مرّ أمامنا وكاد يزهق روح واحدة منا ويفرقنا الى الابد، كل هذا لكي يعبّر بعض اشخاص عن حبّهم لهذه الشخصية او تلك من دون اعطاء اية اهمية لأرواح الناس الذين هم بالنسبة لهم أرخص من الماء”. واذا كانت مهى أفصحت عما حصل معها، فان سيدة جرحت فضلت عدم الحديث الى الاعلام لاعتبارات “شخصية” يتحتم احترامها.

من جانبها، تذكرت ندين(23 عاماً) ” ما حصل معها شهر آب الماضي للمناسبة نفسها حين اصابتها رصاصة في ساقها حمدت الله أن الامر اقتصر على بقائها ما يقارب الشهر في المنزل من دون امكانية للذهاب الى العمل او التحرك بشكل جيد، وقالت لـ”النهار”: ” في ذلك اليوم المشؤوم كنت في طريقي لجلب ابني، وقبل ان أصل الى المبنى المتواجد فيه بالقرب من جامع الامام حسن في الضاحية الجنوبية ، أصابت “صاعقة كهربائية” ساقي اليمنى، وقعت أرضاً، للوهلة الأولى لم اعتقد أن رصاصة اخترقت رجلي لكن ما ان شاهدت الدماء ادركت الامر، هب شباب الحزب لمساعدتي، نقلني والدي الذي حضر الى المكان الى المستشفى، هناك شعرت بما يتم تداوله من معاناة على ابواب المستشفيات ست ساعات وانا بانتظار تأمين مبلغ الجراحة الذي تكفل به في نهاية الأمر النائب حسن فضل الله “.

قبل ندين بأشهر وتحديداً في شهر آب من العام الماضي، نجا أحمد محمود جوشكون (8 سنوات) بأعجوبة من رصاصة طائشة أصابت كتفه عندما كان يلعب مع أصدقائه في المصيطبة لحظة إطلالة نصرالله. في الشهر ذاته لم يحالف الحظ كمال عمر كريم (26 عاما) الذي قضى برصاص ابتهاج طائش أطلق في مخيم عين الحلوة بمناسبة الاعلان عن وقف إطلاق النار في غزة. وفي الشهر التالي كاد رصاص الابتهاج بالرئيس نبيه برّي يودي بحياة الطفل انطوني البالغ من العمر سنة وثمانية أشهر، بعد أن أصيب برصاصة في صدره شقّت طريقها لتستقرّ بين أمعائه. وغيرهم الكثير ممن وقعوا بين قتيل وجريح، ومنهم الفتى أحمد علي الساحلي (أربعة عشر عاماً) الذي أصيب بجروح خطيرة في العام 2008، لدى قيام البعض في بيروت بإطلاق النار خلال إلقاء الرئيس فؤاد السنيورة كلمة عشية انعقاد القمة العربية في سوريا، وما لبثت الرصاصة التي استقرت في رأسه، أن جعلته في حالة غيبوبة دائمة قبل ان يفارق الحياة.

وخلال اطلاق الرصاص الابتهاجي لمناسبة خطاب نصرالله الأخير، سقط جرحى لم يبلّغ عنهم بحسب مصدر في قوى الأمن الداخلي لـ”النهار”، كما أنه لم يتمّ التقدّم بأيّ شكوى عن أضرار مادية، على الرغم من وقوعها وبكثرة لا سيما فيما يتعلّق بأعداد السيارات التي حطم الرصاص زجاجها وخرق هيكلها، وبما أنه لم يبلغ فإن القوى الامنية لا يمكنها التحرك والقيام بأي شيء”.

بين الرفض وطاولة البحث

مسلسل الرصاص الطائش حوّل اللبنانيين الى مشاريع شهداء لقاتل مجهول تخطئ أصابعه عند توجيه سلاحه، كما حوّل ممتلكاتهم “هباء منثوراً” طوال مدة إطلاق رصاصه. والملفت أن كميات الرصاص تزيد مع الايام، وكذلك فترة الابتهاج، الأمر الذي حدا بوزير العدل اشرف ريفي الى الطلب من النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود تكليف الاجهزة الامنية ملاحقة مطلقي النار والقذائف الصاروخية في بيروت وبعض المناطق اثناء خطاب نصرالله الاخير، وإنزال أشد العقوبات بهم نظراً لجريمة اطلاق النار التي ارتكبت، والتي تهدد حياة المواطنين وأمنهم.

مصادر في وزارة العدل أكدت لـ”النهار” أن “الوزير ريفي سيتابع حتى النهاية القضية التي اصبحت من مسؤولية الاجهزة الأمنية، التي يقع عليها تنفيذ الطلب بالملاحقة القضائية لكل من أطلق النار في أية منطقة كانت ولأي سبب كان”. وأضاف “اذا كانت العادة قد درجت أن يمر هذا الموضوع مرور الكرام، فهناك تشدد اليوم كونه بات يشكل خطراً على حياة الناس”، ولفت إلى أن “هذه القضية ستطرح نفسها على الحوار الذي سيجري بين تيار المستقبل وحزب الله، خصوصاً أن البحث في نزع الشعارات يتم، فلا يعقل البحث في نزع الشعارات والصور واليافطات الحزبية فيما يستمر اطلاق النار في هذه المناسبات، كما أن وقف اطلاق الرصاص سيكون من ضمن الخطة الأمنية”، لكن “لم يتم توقيف أي من مطلقي الرصاص حتى الساعة، رغم أن عملية البحث والتحري تجري على قدم وساق، وأي اسم سيتم التثبت من تورّطه سيتم توقيفه قبل ان يقلب الافراح الى أتراح” بحسب المصدر الأمني.

من جانبه اعتبر الرئيس فؤاد السنيورة ما جرى في شوارع بيروت من اطلاق للرصاص والقذائف الصاروخية بالتزامن مع كلمة نصرالله ليس مقبولا ولا مسؤولا، كما ندد رئيس مجلس النواب نبيه بري “برصاص الابتهاج وغير الابتهاج الذي يطلَق في بعض المناسبات وعند حصول بعض الأحداث، لما لهذا الأمر من ضرر يلحق بالمواطنين”، مؤكداً أن الذين انتقدوا هذا الأمر محقّون ويؤيّدهم في موقفهم.

تحريم ديني

لا القوانين الرادعة ولا الفتاوى المتكرّرة استطاعت أن تضع حداً لهذه الظاهرة الخطيرة، رجال الدين حرّموا اطلاق النار في المناسبات لكن لا آذان صاغية. العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله اصدر في العام 2007 فتوى حرّم فيها “كل ما من شأنه أن يضر بالبيئة أو يمثل اعتداء عليها أو يؤدي الى ازعاج الناس وترويعهم وتخويفهم”. وفي العام 2013 حرّم نصرالله اطلاق النار في الهواء وناشد الجميع “بمنطق العقل والدين والأخلاق والقانون والأهل والمحبة وأمن الناس واستقرار الناس، الانتهاء جذرياً من هذه الظاهرة”، كما حرمه بعض مشايخ طرابلس خاصة بعدما “اشعلت” المنطقة مع أول مقابلة تلفزيونية مع أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة، العام 2013.

عملية تنافسية

“اطلاق الرصاص في المناسبات تحديداً عند الاستماع الى أحد السياسيين يدخل في منظومة التحدي”، بحسب دكتور علم النفس العيادي نبيل خوري في حديثه لـ”النهار”، والذي أضاف “لبنان منقسم طائفياً وسياسياً، وهناك طقوس تمارسها كل الطوائف والمذاهب، يقوم معظمها على النكايات بمذهب أو طائفة أخرى لذلك كل عراضة عسكرية تواكب خطبة أو مهرجان سياسي يظهر فيه احد الزعماء تعتبر بمثابة رسالة موجهة للخصم أو العدو أو الطرف الآخر أو المختلف عنا، مفادها أننا موجودون وفعالون وأقوياء وقادرون على فرض معادلاتنا ساعة نشاء، وما عليك إلا أن تتقبل هذا الوضع. ويمكن للطرف الآخر أن يواجه هذه العراضة بعراضة مماثلة كما شهدنا في مناسبات متعددة، بأن العملية ليست مقتصرة على انصار السيد حسن نصرالله، بل هي موجودة عند انصار الشيخ سعد الحريري عند اطلالاته التلفزيونية، والمشكلة ان العملية باتت تنافسية بكثافة النيران وغزارتها وبطول مدتها، وصولا الى حد اقناع الآخر بأن المعادلة السياسية التي نمثلها هي اقوى من المعادلة السياسية التي تمثلها انت وما عليك إلا ان تتقبل الوضع”.

ظاهرة لا تعالج

وعن اطلاق الرصاص في المناسبات العائلية، لا سيما في الاعراس أجاب: “اطلاق الرصاص في الافراح منظومة اجتماعية تقليدية عند الشعب، الذي لا يعرف متى يفلت العنان لغرائزه ومتى يوقفها، وهذا جزء لا يتجزأ من طريقة تفكير الشعب اللبناني الذي يهوى الضوضاء والضجة. وهذا الأمر يدخل ايضا في اطار تنافسي بين العائلات من باب إثبات الوجود، ويدخل في اطار اظهار القوة والشدة والمناعة من الصعاب، ويمثل حالة اجتماعية تقرب الى الجهل الجماعي، الذي يبدو وكأنه منظومة معدية تنتقل من فرد إلى فرد ومن مجتمع إلى مجتمع، إلى حد أنها وصلت الى من ليس لهم دور في اطلاق الرصاص، كما شاهدنا في مشهدية العروس التي ملأت الدنيا برذاذ رصاص رشاشها”.
هذه الظاهرة لا تعالج في نظر د.خوري لأنها “منظومة اجتماعية مترسخة في ذهن الشعب اللبناني”.

ويبقى السؤال الحاضر بقوة: هل مارس فعلاً رجال السياسة والدين نفوذهم على جماهيرهم لوضع حد لهذه الظاهرة المميتة، أم ان “التكليف الشرعي” لا يعتبر نافذاً في قضايا مماثلة!

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا