موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ما الذي حصد قتلى أكثر من الارهاب في لبنان عام 2014 ؟

قد تتصاعد رائحة الدخان من هذا المقال، لكن بعد تمضية وقت طويل داخل المطاعم اللبنانية في الآونة الأخيرة، أشعر وكأن هناك غيمة سوداء تحوم بصورة مستمرة فوق رأسي – بالمعنى الحرفي للعبارة. نحن في القرن الحادي والعشرين، ولم نعد بحاجة إلى تقديم براهين وحجج لإثبات أن التدخين قاتل، فقد تجاوزنا هذه المرحلة. وهذا المقال ليس مجرد صرخة غضب بل هو دعوة إلى التحرّك.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يموت نحو 3500 شخص سنوياً في لبنان بسبب الأمراض المرتبطة بالتبغ. وتشير تقديرات المنظمة أيضاً إلى أن نحو 10 في المئة من الوفيات الناجمة عن استهلاك التبغ سببها التدخين السلبي. يعني ذلك أن نحو 350 مدخّناً سلبياً توفّوا العام الماضي بسبب الأمراض المرتبطة بالتبغ. هذا العدد أكبر بكثير من الوفيات التي تسبّب بها الإرهابيون المخيفون الذين تصدّروا العناوين الرئيسة عام 2014.

يحدث التدخين السلبي في شكل أساسي في الأماكن المغلقة، العامة والخاصة على السواء. وهو لا يؤثّر فقط بغير المدخّنين؛ فحتى المدخّنون يقفون أحياناً في الواجهة في معارضة التدخين في الأماكن المغلقة. فعندما يدخّن الأشخاص في الأماكن المغلقة، يشعرون بالرغبة في تدخين كمية أكبر من المعتاد. فضلاً عن ذلك، يزعجهم دخان السجائر المنتشر في المكان.

نعرف جميعنا كيف يعمل العقد الاجتماعي اللبناني: يختار الناس أجزاء القانون التي تناسبهم، لكنهم يتجاهلون الأجزاء الباقية التي يمكن أن تؤثّر إلى حد كبير في راحة الآخرين ورفاههم. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحمينا من أنفسنا هو تطبيق القانون تطبيقاً كاملاً، لذلك يجب أن نشعر بالامتنان لأنه لدينا القانون 174 الذي تم اعتماده بالإجماع عام 2011. لكن للأسف، إقرار القوانين مسألة، وتطبيقها مسألة أخرى مختلفة تماماً.

تجربتي في الجميزة

بدأ كل شيء خلال وجودي في مكان حيث كان الجميع يدخّنون إلى درجة أنه كان من الصعب رؤية الأشخاص في الطرف الآخر من الغرفة بسبب سحابة الدخان الكثيفة. سألت أحد الموظفين هناك كيف يسمحون للزبائن بالتدخين داخل المطعم في حين أن ذلك ممنوع بموجب القانون. فكان لجوابه وقع الصدمة علي: “نصحتنا القوى الأمنية بأن نسمح للأشخاص بالتدخين داخل المطعم بدلاً من أن يدخّنوا في الخارج ويزعجوا الجيران”. يا له من عذر مناسب لمؤسسة لم تطبّق قط القانون!

تقصّيتُ أكثر عن الموضوع وعلمت من مصادر مطّلعة أن آمر فصيلة الجميزة، النقيب طعان يونس، اجتمع بعدد كبير من مالكي المطاعم والملاهي وطلب منهم بوضوح أن يسمحوا بالتدخين في الأماكن المغلقة من أجل خفض الضجيج في الشوارع ليلاً. عندما سألت المقدم جوزف مسلم، رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، عن المسألة، نفاها لكنه أردف أنه سيتحقّق من الأمر مع النقيب يونس ويعاود الاتصال بي. وعندما اتصل بي من جديد، قلّل من أهمية الأمر الذي قيل له إنه “حادث ضجيج بسيط”، مضيفاً أنه لم يُذكَر شيء عن التدخين في الأماكن المغلقة في ذلك الاجتماع.

واعتبر المقدم مسلم أن غياب التنفيذ يعود إلى النقص في الموارد. وعندما سألته إذا اتصلت المؤسسة بقوى الأمن الداخلي لتبلّغ عن زبون لم يدفع فاتورته، ألا يبادرون إلى التحرك، فلماذا لا يتحرّكون إذاً لضبط التدخين؟ لم يعطِ جواباً واضحاً وهدّد بنسف المقابلة.

لكنه قال لي إنه ينبغي على المواطنين إرسال صور عن المؤسسات التي تنتهك القانون 174 إلى حساب قوى الأمن الداخلي عبر “تويتر” (@lebISF)، وسوف تتحرّك القوى الأمنية في غضون أسبوع. لقد عمّمت حملة مكافحة التدخين، “174 لبنان خالٍ من التدخين”، هذه المعلومة، ويتمّ حالياً اختبار مدى تطبيقها.

من المسؤول؟

تطبيق قانون منع التدخين في الأماكن المغلقة مسؤولية تتشاركها أربع وزارات: الداخلية والسياحة والاقتصاد والصحة. في ما يتعلق بوزير الداخلية نهاد المشنوق، يبدو أن هذه القضية لا تهمّه. ففضلاً عن مسؤوليته في عدم تحرك القوى الأمنية، لم يتورّع الوزير نفسه عن تدخين سيجار في مقر وزارة الداخلية خلال برنامج مباشر عُرِض منذ فترة وجيزة عبر شاشة التلفزيون.

أما وزير الاقتصاد آلان حكيم الذي شوهِد أيضاً يدخّن داخل أحد المطاعم قبل شهر، فقد وافق على أهمية تطبيق القانون واقترح زيادة أسعار التبغ. لكن لا شيء في أدائه الوزاري يُظهر استعداده لتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن المغلقة. يتمتع حكيم بصلاحية إرسال المفتّشين في مديرية حماية المستهلك إلى أية مؤسسة تجارية وفرض غرامة على منتهكي قانون منع التدخين في الأماكن المغلقة، كما فعل سلفه نقولا نحاس.

قال لي وزير السياحة ميشال فرعون إن القانون يحتاج إلى تعديل كي ينسجم مع أعرافنا المحلية. ينص الدستور اللبناني على أن الوزراء هم جزء من السلطة التنفيذية التي يقع على عاتقها تطبيق القانون لا التشكيك به أو تفسيره أو تطبيقه بطريقة انتقائية. ظلّ التدخين مسموحاً في الحانات الفرنسية لفترة طويلة، لكن عندما دخل قانون منع التدخين في الأماكن العامة حيز التنفيذ عام 2008، لم يعد قابلاً للتفاوض. منطق فرعون أشبه بالمنطق الذي يدافع عن جرائم الشرف لأنها جزء من تقاليدنا.

أما وزير الصحة وائل أبو فاعور الذي يشوب توتر في علاقته مع عدد كبير من المشترعين في الآونة الأخيرة، فقد تحدث منذ فترة قصيرة عن السعي إلى تطبيق قانون التدخين عبر قيام مفتّشي وزارة الصحة بزيارات مفاجئة إلى المطاعم والملاهي. لكن لم يُنفَّذ شيء حتى الآن ولم يتغير شيء، إنما تُعقَد آمال كبيرة على وزير الصحة في هذه المرحلة. وقد أثار كلامه غضب بعض الوزراء غير الملتزمين تطبيق القانون الذين سارعوا إلى انتقاد القانون “المجحف”. لسوء الحظ، حاولنا كثيراً الاتصال بالوزير أبو فاعور للاستفسار أكثر عن الموضوع لكننا لم نلقَ جواباً.

يشتكي اللبنانيون باستمرار من الفوضى في بلادهم. ويتطلع كل واحد منهم إلى العيش في أجواء متمدّنة ومنظّمة. من عاشوا في الخارج يتذكرون بحسرة كيف يسود النظام في العالم الغربي. ندّعي أنه علينا أن نكون شعباً يتقيّد بالقانون ويتوق لتطبيقه وفرض النظام، لكن معظمنا لا يتردّدون لثانيةٍ واحدة في التحايل على القانون إذا كان ذلك يعود بالفائدة عليهم، وبالتأكيد إذا كان بإمكانهم أن ينجوا بفعلتهم.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن المذنبين في هذه القضية هم أيضاً كل من يخرقون القانون عبر التدخين في الأماكن المغلقة. فالقانون ينص أيضاً على تغريم الأفراد في حال ارتكابهم مخالفة. والأهل الذين يُعرِّضون أولادهم للتدخين عبر اصطحابهم إلى مطاعم لا تطبّق القانون حيث يدخّن الأشخاص من دون رادع، يتصرّفون بعدم مسؤولية إلى حد كبير، وهو ما يُعتبَر سلوكاً إجرامياً في عدد كبير من البلدان المتحضّرة.

في حين تدعم الغالبية الساحقة من المواطنين حظر التدخين في الأماكن المغلقة، يسود نوع من السخرية والسلبية لدى الأشخاص الذين استسلموا وفقدوا الأمل بتطبيق القانون. يجب اتخاذ قرار جماعي: هل نريد العيش في الفوضى أم في بلد متحضّر؟

على جميع المواطنين الذين يعارضون التدخين في الأماكن المغلقة أن يقوموا بما عليهم عبر استخدام أدوات الضغط كافة التي تقترحها حملة مكافحة التدخين “174 لبنان خالٍ من التدخين”. في هذه الأثناء، يتحمل الوزراء المعنيون مسؤولية الوقوع في خطأ الإغفال تجاه المواطنين الذين يتوفّون سنوياً بسبب تقاعس الوزارات. إذا كان التدخين انتحاراً بطيئاً وتدريجياً، فإن السماح بالتدخين بوجود أشخاص آخرين في الأماكن المغلقة أشبه بالسماح بتفجيرات انتحارية بطيئة وتدريجية.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا