موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

صورة “جهاد النكاح”… حرية تعبير أم إساءة الى الدين؟

وقع المخرج شربل خليل في فخ الحرية، ظنّ أن في إمكانه أن يغرد بـ”طبيعية”، لكنه نسي انه في وطن يعيش على بركان الطوائف والمذهبية. غرّد صورة اعتبرت دار الفتوى أن فيها إثارة للنعرات الدينية، وتنال من الوحدة الوطنية. فتحركَ مفتي الجمهورية وطلب من وزير العدل تحريك النيابة العامة، كما رفعت دعوى قضائية في حقه، فأحال النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود الملف الى المحامي التمييزي القاضية ندى أسمر التي استمعت الى إفادة خليل اليوم لتتركه بعدها بسند إقامة.

لم ينتقد خليل هذه المرة مرجعاً دينياً أو شخصية سياسية في برامجه التلفزيونية، لكنه أعاد نشر صورة عبر حسابه الخاص على “تويتر” تظهر فيها امرأة منقبة تكشف عن ساقيها وهي تجلس على سرير مغطى بالراية الاسلامية تحت عنوان “جهاد النكاح ” . الصورة ليست جديدة بحسب ما صرّح به خليل فقد تمّ نشرها في حزيران من العام الماضي على مواقع عدة، وقام بتغريدها على حسابه معتبراً أنه نقل خبراً وبأن ناقل الكفر ليس بكافر.
لكن، لماذا تغريدة شربل أخذت هذه الأبعاد، في حين أن مواقع التواصل الاجتماعي مليئة برسومات لا تثير النعرات الطائفية فقط، بل تُهدّد بإعادة الحرب الأهلية؟ هل لأن أصحاب الفكر الداعشي في لبنان “عم ينوجعوا من سكيتشاته” كما اعتبر، أم أن البركان اللبناني لم يعد يحتمل مزيداً من الانشقاقات؟ هل ستفتح هذه القضية باب التضييق على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وما هو الحد الفاصل بين حرية التعبير والحفاظ على المشاعر الدينية؟
خليل أراد من إعادة نشر الصورة انتقاد ممارسات تنظيم “داعش” لا سيما ما يتعلق بجهاد النكاح، مؤكداً ان الصورة منقولة من موقع اخباري وليس هو من فبركها، لكن هذا لم يمنع القضاء من تحريك قضية واستدعائه بالشكوى المقامة ضده من المحامي طارق شندب بصفته منتدبًا عن 70 شخصية دينية ومدنية.

دار الفتوى لم ترفع دعوى
دار الفتوى لم ترفع دعوى، هذا ما أكده المدير العام للأوقاف الاسلامية الشيخ هشام خليفة في اتصال مع “النهار” حيث قال “لم يرفع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان دعوى ضد خليل، كل ما قام به هو الاتصال بوزير العدل أشرف ريفي كإخبار، للنظر في ما غرّده خليل واذا كان هناك إساءة أم لا، وهذا كلّ ما في الأمر”.
التغريدات التي تمسّ بالرموز الدينية كثيرة فلما خليل بالتحديد؟ أجاب خليفة: “لا يوجد استنسابية بقدر ما ان الظروف تحكم، وليس المقصود شخصًا من دون آخر، ثانياً هذه ليست المرة الاولى التي تبدي فيها دار الفتوى والاوقاف الاسلامية والعلماء استياءهم وامتعاضهم مما يرونه إساءة لرموزنا ومقدساتنا، ثالثاً دار الفتوى جعلت الأمر في يد القضاء تداركاً ومنعاً لإثارته في الشارع، ولا نريد أن يأخذ الموضوع الصدى الإعلامي من قبلنا”.
خليفة ختم “هذا تنبيه على ضرورة أن تراعي الناس مشاعر غيرها، وما نطالب به بعض الفئات من مداراة مشاعر الآخر هو مطلوب ايضاً من البعض الآخر”.

 

هيئة العلماء ستتابع القضية
“هيئة علماء المسلمين” دانت في بيان التغريدة التي “تسيء إلى المقدسات الدينية وتثير النعرات الطائفية وتهدّد السلم الأهلي” مذكرة بالمادة 9 من الدستور اللبناني التي تنصّ على إقامة فروض الإجلال لله تعالى، وبالمادة 317 من قانون العقوبات التي تجرِّم كل ما يؤدي إلى إثارة النعرات الدينية والمذهبية، والنيل من الوحدة الوطنية، وتعكير الصفاء بين أبناء الأمة مؤكدة رفضها الإساءة للإسلام بحجة مهاجمة “داعش” أو محاربة الإرهاب، وأشارت إلى أنها ستقوم بمتابعة هذه القضية حتى النهاية وستبقى رافضة لكل أنواع التطرف والممارسات الإرهابية المادية والفكرية من أيّ جهة أتت أو من أي فم خرجت.

“أحرار لا داعشيون”
النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود أحال الملف الى المحامي التمييزي القاضية ندى أسمر التي استمعت الى إفادة خليل اليوم لتتركه بعدها بسند إقامة. وعلّق خليل بعد خروجه من المحكمة “نحن احرار ولسنا داعشيين كطارق شندب الداعشي الذي يكذب، ولعل الصورة المرفوعة عنه تدلّ عن شخصيته، أراد بعض من يحمل فكرًا داعشيًّا في لبنان زجّي في السجن بالإفتراء عليّ، ولكنهم خسروا معركتهم امام القضاء، وأنا لديّ ثقة بالدولة وبقضائها”.
وأضاف “أنا صاحب حقّ ولم أفترِ أو أكذب، وقضيتي قضية حق ولديّ شعور أن سماحة المفتي لم ير الصورة، ولكن نُقل الخبر اليه بشكل مضخّم، وشندب وأمثاله لن يخيفوننا”.

مبادرة كنعان
عضو تكتل “التغيير والاصلاح” النائب ابراهيم كنعان الذي توكل عن المخرج شربل في الشكوى المقامة ضده، اعتبر في اتصال مع “النهار” أن “احالة الأمر بهذا الشكل من قبل مصطادين في الماء العكر يؤدّي إلى تجييش العصبيات الطائفية، وذلك عكس التهمة الموجهة الى شربل، التي يُتهم بها من يصدقها ويعطي المسألة أبعادًا شخصية”.
كنعان لا يخشى على الحريات في لبنان “لأن القضاء في استطاعته عدم إشعار الكتّاب والفنانين والمخرجين والمجتمع المدني والاعلامي بأنهم باتوا معرّضين للملاحقة بأمور مفبركة وبعيدة كل البعد عن الدين وعن إثارة النعرات وغيرها من التهم التي تمّ سوقها الى موكلي خليل، لكن بمجرد أن يحمي القضاء حرية الكلمة بقراراته في النهاية، يعطي نوعًا من الطمأنينة، على الرغم من انه يجب أن نرفض بجرأة منذ البداية أن نعطي هذه المحاولات والاتهامات أيّ بعد جدّي”.
واعتبر أن من تضامن اليوم أمام قصر العدل مع خليل أراد توجيه رسالة الى أنه مع حرية الكلمة، وهي “رسالة الى كل المراجع الدينية بأننا وإياكم سوية لحماية مجتمعنا”. ولفت إلى أن “المفتي ليس مضطلعًا على مختلف جوانب الملف بالتأكيد، وسأبادر إلى إطلاعه وطلب شحذ الهمم مع كل المراجع الموجودة في البلد كي نحمي مجتمعنا من هذه الحالات الشاذة التي تستغل الدين والشعارات الدينية لأغراض لا علاقة لها بالدين الاسلامي ولا بأيّ دين سماوي”.

بين مؤيّد ومعارض
أما الممثل بيار شمعون فرأى أن “هناك أمورًا تسيء للديانة أكثر بكثير من قضية خليل الذي لم يقم سوى بنقل صورة عن صحيفة وليس هو من وضعها”، وأضاف لـ”النهار”: “ما يحصل مدبّر وخصومة سوداء، السكاتشات التي يُخرجها خليل أقوى من هذه الصورة بكثير، قد يكون تمّ إيصال الخبر بطريقة خاطئة لمفتي الجمهورية، لكن كان يفترض أن يتحقّق من الامر”.
الممثلة نضال الاشقر أكدت في اتصال مع “النهار” أنها مع حرية التعبير “التي هي من الحصون التي يجب المحافظة عليها، فلم نعد نملك في لبنان سوى التعبير عن أنفسنا، يجب أن نتحمل انتقادات الآخرين”. وعما اذا كانت مع حرية التعبير حتى لو طالت رموز دين الآخرين أجابت “لا أحد يمسّ في لبنان بالرموز الدينية”.
أما الممثل احسان صادق فقال لـ”النهار”: “معروف أنني بعيد عن الأجواء التي تتطرأ للأمور الطائفية أو الدينية أو السياسية وغيرها، ليس للفنان علاقة بمثل هذه الأمور، نحن جماعة نعمل في الفن، صناعة الفرح للناس من دون إسقاطات، رأيه الخاص له وليس للنشر”.
من جانبه، قال المخرج ايلي فغالي لـ”النهار”: “انا متضامن مع شربل بالفعل وليس بالكلام، القضية كبرت كثيراً ولا تبشر بالخير، لا أفهم تركيبة البلد، من يضع صورة ليس عن سابق تصور وتصميم يتمّ استدعاؤه للقضاء ومن يتحدث ما يحلو له عن سوء نيّة لا يتمّ التعرّض له، هناك يد ورجل في الدولة، ناس بحصانة وآخرون من دونها”.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا