موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

7 سنوات كانت كفيلة بتغيير مسار حياته: هذه قصة يوسف

يقولون إنَّ المعاناة والألم يولدان الإبداع، وهذا فعلاً ما حصل مع يوسف ابن العشرين عاماً الذي تحدَّى عائلته وواقعه وحلَّق بعيداً لتحقيق أحلامه وأهدافه. ولد يوسف في مدينة الحسكة السورية حيث ترعرع وكبر، وتلقى تحصيلاً علمياً ابتدائياً. في سن الثالثة عشرة، شعر بضرورة الانتفاض والاستقلالية فارتأى القدوم إلى لبنان في العام 2007 حيث يقطن 4 من إخوته للتخطيط لحياة مختلفة.

“يا بدع الورد”

يخبر يوسف “النهار” بداية قصته المجبولة بالأسى والتعب “لم تسمح لي الظروف باستكمال دراستي والدخول كأترابي إلى معهد أو مدرسة، ولكن السنوات أعطتني الحق في اختيار مسار حياتي، اضطررت لمغادرة المدرسة في صفِّ الخامس ابتدائي. وانتظرت بلوغي سنِّ الـ13 حتى اخترت القدوم إلى لبنان لأنه البلد الأقرب، ولأن إخوتي يأتون ويذهبون وإليه، خصوصاً أنَّ ثلاثة منهم يعملون هنا، في حين أنَّ الرابع يكمل تحصيله الجامعي. سكنت معهم في منطقة عائشة بكار، وعرض جميعهم عليَّ العمل معهم كلٌّ في مجاله، إلاَّ أني رفضت، وفضَّلتُ بيع الورود. كنت أنزل إلى شارع الحمراء لأبيع الورود التي أشتريها من المحال على الطرق. كنت أبيع المارة وزبائن المطاعم وبقيت على هذه الحال حوالى السنتين. قررت بيع الورود لأني اعتبرتها الوسيلة الأسهل والأفضل بالنسبة إلي لكسب المال بطريقة لائقة من غيرها. في تلك الفترة، كنت أخجل بما أقوم به، كما أنَّ إخوتي كانوا يشعرون بالحرج كوني أعمل على الطرق. أما الآن أدرك أنها أجدى من وظائف أخرى، وأشتاق لبيع الورود لأنها علمتني أكثر من أي تجربة ثانية وأعطتني طاقة. وبتُّ بعد هذه المرحلة أتصرَّف بنضج نتيجة ما سمعته وصادفته خلال تواجدي في الشارع”.

من قلب المعاناة

في شارع الحمراء، قصد يوسف محال بائعين حيث كان يجلس وإياهم لتبادل أحاديث متنوعة، فبدأوا يرونَ لديه شغفاً في التعلم وأصروا على إقناعه بضرورة القراءة، وصاروا يشترون له كتباً تشجيعاً منهم لدفعه نحو القراءة والكتابة، وبمرور الوقت تعرف يوسف إلى مثقفي بيروت من رواد منطقة الحمراء. يخبر يوسف قائلاً: “أتيت في عام 2007 إلى لبنان وكان لي تجربة مع الشارع واستطعت الخروج منها وتحويلها نحو الفن، لا أعرف لمَ عندما أتكلم عن تجربتي لا أعرف كيفية التعبير عنها كما في الشعر والكتابة. كنت خجولاً جداً ولم أفرض نفسي يوماً على أحد، وكنت أعرض على المارة شراء وردة ولكني كنت أتفادى البقاء بقربهم مدَّة أطول أو سؤالهم أكثر من مرَّة. ويتابع: “بدأت بنظم الشعر في سنِّ الرابعة عشرة، وعلى الرغم من أنَّ تحصيلي العلمي كان متواضعاً إلا أنِّي ثابرت على القراءة ومطالعة تجارب شعراء كبار وتأثرت بأدونيس ومحمود درويش”. من قلب المعاناة كتب يوسف أول كتاب شعري تناول فيه معاناة أبناء جيله ووطنه.

الكتابة للنسيان

يشير يوسف إلى أنه لا زال يحتفظ بدفتر كان ملجأه وصديقه الوحيد للتعبير عما كان يخالجه ويصادفه خلال أيامه الطويلة في شارع الحمراء، فيقول: “كنت أكتب يومياتي إلى مواقف لا أرغب في نسيانها. ثمَّ قررت إصدار كتابي الأول في سنِّ الرابعة عشرة بعدما طلبت من صديقي أخذه إلى مطبعة حيث طبعت نحو 200 نسخة، بلغت كلفتها 300 دولار كنت قد ادخرتها خلال مدَّة طويلة، أنا شخصياً لست راضياً عن هذا الكتاب ولم أوزِّع نسخاً عدَّة منه بل أبقيت أعداداً كثيرة عندي، أما كتابي الثاني الذي صدر منذ بضعة أشهر فأنا راضٍ جداً عنه وحظي بدعم من أشخاص كثر”. يؤكد يوسف أنَّ أموراً كثيرة تغَّيرت بعد الأزمة التي طاولت سوريا منذ 2010، “لم يعُد بإمكاني الذهاب والعودة متى أشاء، ولم يعد بإمكان أهلي القدوم دوماً إلى لبنان”. ويضيف: “غدت الكتابة نوعاً من العلاج النفسي والتصالح مع الأشياء ومع الآخر بالنسبة إلي، وفرَّغتُ الجرأة التي اكتسبتها من الشارع في نصوصي”.

المطر قليل هذا العام

يخبر يوسف أنَّ أهله كانوا يعرفون أنه يبيع الورد على الطرق إلاَّ أنهم لم يعترضوا سوى على ميله للفن المتمثِّل في الشعر. ويتابع: “أنا الوحيد من بين بقية إخوتي اخترت في حياتي أسلوب العمل في الشارع ثمَّ في الفن، ومغادرتي للمنزل سببها 60% إرادة شخصية و40% تخاذل من أهلي، وأستغرب كيف أنَّ المصادفة أوصلتني إلى ذلك على الرغم من أن عائلتي لا تعاني من أزمة مالية. بمرور الوقت، اعتمدت على نفسي، وعلمت أن ما من أحد سيخلصني أو يساعدني، أنا وحيد على الطريق وليس في مقدور أبي أو أمي أو أخوتي مساندتي. ولكن أهلي حالياً باتوا يصدقون هدفي أكثر ويعلمون ما تمكَّنت من تحقيقه، في حفل توقيع كتابي الثاني دعوتهم وأصررت على حضورهم حيث عبروا عن هزيمتهم واعترفوا أن ما وصلت إليه جيد. كنت أحدِّث صديقي منذ أيام قائلاً له إنَّ علاقة وطيدة تجمعني بالشتاء، ولم أجده هذا العام عاصفاً حتى إنَّ الأمطار ليست بغزيرة، ثمَّ أدركت أنَّ السبب يعود إلى أنِّي في المنزل ولست أجول على الطرقات كالأعوام السابقة”.

نقمة على الله

طوال خمس سنوات، شعر يوسف بنقمة على كل شي حتى على الله، يخبر في هذا الصدد: “كنت أستغرب كيف أنني أصلي وأناجي الله كل يوم ولا يتغير أي شيء. كنت أنزعج عند رؤية مظلوم أو جائع يقف على قارعة الطريق، وأقارن بينه وبين من يجلس في المطعم أو من يقود سيارته، وأتساءل “بماذا هو أفضل مني؟ عرفت مع الوقت أنَّ ما من عدالة اجتماعية ثمَّ تغيرت نظرتي إلى بعض التفاصيل، صحيح أنني كنت أشعر بظلمٍ شديد كل يوم إلاَّ أنني تصالحت مع الأمر فلولا هذه المعاناة لمَا وصلت إلى ما أنا عليه اليوم. ولكنني عندما ألتقي بطفل مشرَّد أتوجه نحوه واسأله إذا كان جائعاً أو يشعر بالبرد”.

مفهوم اللاجىء

مع بدء الأزمة في سوريا، يقول يوسف إنَّ كل من كان يراه كان يسقط عليه صفة “اللاجىء”: “شعرت بنوع من العنصرية أو النظرة الفوقية من الناس حتى أنَّ بعضاً من أصدقائي باتوا يتعاطون معي كأني لاجىء أو نازح على الرغم من أني كنت قد وصلت إلى لبنان في 2007 أي قبل ثلاث سنوات من بدء الأزمة. وفي مرحلة من المراحل كنت آمل أن يبقى أصدقائي بقربي إلا أنهم حاربوني، واليوم لم يعودوا جزءاً من حياتي. وعلى رغم كل ما مررت به لم أشعر يوماً أنني أقل شأناً من الآخرين، شعرت بيأسٍ معين ولكن بعد قراءتي تجارب الغير وجدت أنه لا بد من أن نمرَّ بهذه الأمور، لذا، اقتنعت بأنه يجب عليَّ أن لا أكون مثلهم، بل من الأجدى أن أبتعد عن الأنانية وأن أمتنع عن الحقد على أحد، فالدود عندما سيأكل أجساد الناس لن يفضّل شخصاً على آخر”.

يعتبر يوسف أنَّ التغيرات التي مرَّ بها حدثت بشكل سريع، لكنَّه يؤكِّد أنَّ من يحب العمل الذي يقوم به، ومن يؤمن بما يقوم به، فلا شيء سيصعب عليه تحقيقه.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا