موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

تلفزيون يوم الإثنين

قيمة المرء همته. تلك هي المعادلة المختصرة، لبرامج يوم الإثنين التلفزيونية “الاجتماعية “. ينظر أصحابها إلى العالم، ينظرون إلى أنفسهم، ومن خلالها وهم بصدد إثبات أن العالم جزء منهم، لا أنهم جزء من العالم. نظرات إلى النفس، خروج عليها ومنها. الشرط الأساس، عدم العودة إليها، حين يدور الشوق إلى الحضور الشخصي، على حساب كل شيء. بحيث لا يعود، ما له قيمة، بقيمة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا إذا أغمض مقدمو البرامج الاجتماعية عيونهم عليه، وأعادوا فتحها، بحيث يزوغ البصر الآخر، إذا لم يلحظ حضورهم . ذلك أن مقدمي البرامج، ما عادوا هؤلاء الثائرين الحالمين، بعجن الأشياء في خميرة الأيام، بدل تحطيمها. لأنهم أضحوا المادة الأولى ببرامجهم “الأولى” الأخرى. مسلحين مدمرين، يزيلون بشراً من الطرقات، وهم يصوغون نجوميتهم، بالجص المرمي على الناس، على طرقات طويلة. أبطال البرامج الاجتماعية، “ينعفون” الغبار، يحوّلون الغبار دماً، ينزف من الآخرين، من دون أن يظهر.

الأبطال برامج يوم الإثنين عيونٌ، هي عيون الكونين، لا الكون الواحد. يقدسون الموت ويقدمون الأضاحي، باللغة الأم، بلعبة، لا تنتهي فصولها، ولن تنتهي فصولها، إلا بتعميم الموت المشبوح على أجزاء الجمهورية، بلا انتباه، إلى صور تمزيق الأجساد ونحر الأعناق، في النيكاتيفات المتتالية، في هذه الغابة، المراوحة على حدود الزوال.

لا ستر لشيء، لا لغياب الأغطية. لأن البرامج هذه، المحشودة، على مدى ثلاث ساعات، بيوم واحد، ضد الستور والأغطية. ولو أنها، تبتعد عن ذلك، مقدار شمة. أبطالها، من ريما كركي إلى جو معلوف وصولاً إلى طوني خليفة، لا يُشهد لغيرهم، بظنهم. لأنهم، يدركون ، ما لا يدركه سواهم. هكذا، تقوم فقراتهم، على الطبخ، بعيداً من روائح المراعاة. هكذا، تقوم الصفات، على الكشف، بذوق استطابة الكشف، إذ يجدون أن الإتحاد بالكشف، على شخصية أو قضية، مدعاة تعجل للفرح. لا تفتيق للقطب على الجروح. قواهم، من سلطة الأقنية. سلطة تنافس السلطة على السلطة، بعيداً من بورصات المعادن الثمينة والبنكنوت . سلطة تدعمهم، بعمليتي الصلب أو “الخوزقة”. لأن غالب العمليات، تفضي إليهما. هكذا، لا تقف الحدود ولا الحواجز، بين البرامج هذه، وهي تخالط بالحمرة الدموية، شؤون الآخرين، بالكنائس والجوامع والمؤسسات الاجتماعية والإقتصادية و”الأناطش” وأسواق الخضر واللحم . أما أن يدرك هؤلاء، أن الفعل بما يفعلون، إنما هو تحقيقٌ، ما حققته الأمم الماضية، على مفارق التحيّر بين الخير والشر، ذلك ما لا يستسيغونه، لأنهم يفرون من القرون الخالية، إلى قرنهم، بادعاءات الحداثة التلفزيونية، بدون تمحيص بين حداثة لا علاقة لها بالتقنيات الحديثة وبين تقنيات، لا تدرك حقاً مقصوداً، إذا ما تركت البلاد بفراغ الكامل .

داعي الفهم، يدعو إلى الزيادة. ذلك، من صفات الصوفيين. صوفيو التلفزيونات اللبنانية، يخلِّفون الكثير بذلك. الأبرز، أن داعي العقل يدعو إلى المذاق. ولا مذاق. خيبة مثيرة. لأن التوله بالكرسي التلفزيوني، يدفع إلى تثبيت الدواعي، بحسب الحاجة. هنا تسقط بعض الدواعي، ويتوج بعض ٌ آخر. بالتتويج، أن الإحسان إلى المشاهد، يدفع الأخير إلى المشاهدة، بسقوط داعي الرجاء عند جنبات الدولة والسلطة. سقوط الأخير سقوط للطمأنينة. لا تقوم الصفات، بالبرامج التلفزيونية الاجتماعية، إلا بطرد الخوف لدى المواطن، بإطاعة دور الدولة أو السلطة الساقط. هكذا/هكذا دائماً/ تتسلبط البرامج هذه، على أدوار الدولة. هكذا ، تصيد الوجود بالحروف، إذ تلعب الأوهام ، بإلزام العرض، بما يزاحم قدرية الدولة، المنهوبة والمنتهكة، من كل الأطراف.

سلطة البرامج، بحروفها وآلياتها، انتهاك على انتهاك، إذ تقدم وجودها على وجودها. إذاك، يضحي لبرامج الإثنين، مثلاً، مختبراتها الخاصة، على مكاشف المواد المطابقة للمواصفات، على قدم واحدة مع مختبرات الدولة. بفرق، أن المختبرات الأولى، لا تساور الناس الظنون حيالها، لأنها مباشرة وعلى هواء تمالقه عيون المشاهدين، لأن هواء الأقنية، عينا السميع البصير، بدون كفر ولا كفار مباشرين.

تلزم البرامج هذه، الدولة، ببطلان الدولة.تهينها، بدون أن يرمش أصحابها، وهم يغَّيرون في أدوارها وأدوارهم، بالركض أمام السلطة، للتحقيق، بالتعرض لكرامة المقيمين على الأراضي اللبنانية، بحجة السكوب، أو بالتجرؤ على العلل المحلية، بأخذها من الخلف، أي من الكاميرات الخاصة( التلفزيونية) والكاميرات العامة ( كاميرات المراقبة العادية بالشوارع والأبنية). ما أنشأته البرامج هذه( للنشر و١٥٥٤ … ) علل بلا أمد . لا حلول للعلل، لأن البرامج تستبق الأحكام. ما تصوره، هو خلافها، لا هي. كل رضى له ثمن، إذ ترضى البرامج عن البرامج، على حساب، ما لا يجمعه كل. ذلك أن الكل واحد، الأب المتهم ببيع أوراق التبرعات بأبخس الأثمان وشيخ “القاعدة” والقاضية المتنمرة والشحاذ المنتحل والكهرباء المغيبة والماء المهدور والخدم بالبيوت وجيوش القتلى بلبنان، بغير اكتراث فولاذي. وجود إثبات، يطيح بكل شيء، كما تفعل عاصفة مدارية. الضحايا: الخصوصيات و الكرامات، بسرور الأسماء المتغايرة، بالبرنامج الواحد الممطوط على أكثر من فترة. حجب ٌ عن رؤية الواقع، بصالح انتخاب الأعمال. ليست هذه، صحافة صفراء، حتى.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا