موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

أمٌ في الولادة .. وأمٌ في الشهادة!

رشا أبو غزاله –

وحين صفّر القطار الأخير، نفذ صفيره إلى قلبها وكأنه المخراز…

وحملتها الذكرى إلى الليالي التي سجدت فيها أمام مهده، ساهرةً على فراشها، تخرج بين الحين والحين لتُلقي نظرةً عليه، فإذا به يتنفس بهدوءٍ فتعود بصمتٍ.

وبصمتٍ، لبست ثوب الحداد، وأمام مهدٍ قد فرغ، في غرفةٍ أضحت موحشة، جلست تُبحر في ذكرى ولدها الشهيد…

تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، سطّرت دروساً في التضحية، وسبرت غور معاني الإباء والتسليم لقضاء الله،

تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، وَلدت شهيداً ستر الشمس بالحرية الحمراء وقلّد الموت وسام الحياة،

تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، لا تُغريها النزهات الطويلة والزيارات العديدة، تلك التي خُلِقَت أمّاً قبل أن تكون حسناء،

تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، لا تشغل لسانها بالأباطيل ولا تُغريها أحاديث حقوق المرأة السخيفة، فما من حقٍ أحق وأرقى من تربع ابنها عرش الشهادة،

تِلْكُمُ أعظم الأمهات، دفنت إبنها بيديها فتحجّرت الدمعة في المآقي، وما زادها أساها إلّا إيماناً وتقوى وأصالةً في الكبرياء،

لا تُرثي إبنها الشهيد، ومحمد لا يزال ينشر النبوة بدمع فاطمة، ومريم تسقي قبر يسوع بدموع مقلتيها، تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، كرّمَها الكتاب المقدس وزادها القرآن الكريم تبجيلا، هي راحيل في قول النبي أرميا عند إستشهاد أطفال بيت لحم «صوتٌ سمع في الرامة نوحٌ وبكاءٌ وعويلٌ كثير، راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزّى لأنهم ليسوا بموجودين»،

وهي أم الشهداء تلك المرأة الحديدية، إنها الخنساء التي رثت أخاها، وحين سمعت بخبر إستشهاد أولادها الأربعة في معركة القادسية تبسّمت قائلةً «الحمد لله شرفني بقتلهم وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته»

تِلْكُمُ أعظم الأمهات، لا تنزل الدروب مطالبةً بمساواة الرجل مستجديةً المكافآت، بل تتفيّأ ظلال عريشة القبر وتعفر ترابه بوجنتيها، وقد نالت أنبل المكافآت بالتضحية بالشهادة، تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، روت إبنها فأبدعت الرواية، ووصفته فأحسنت الوصف، وبكته فأثلجت القلب وضمدت الجراح، وعادت تتحسّس تاج الفخر على هامة الرأس، قلّدها إياه ذلك الشهيد الفارس الذي رُفِع فوق أعناق الرجال فزُرِعَ في جبين الليل نجماً في الأعالي،

وكلما مَرّ شريط حياته في مخيلتها، تراءى لها رضيعاً بين يديها تلاعبه، وتذكرت أولى خطواته وابتسامته التي لا تفارقه، وأبحرت في إرتمائه في حضنها الدافئ وناجت فرحته يوم تخرُّجه ، فكساها الله لباس الفخر بأن تكون أم الشهيد !

تِلْكُمُ أعظمُ الأمهات، تصنع أبطالاً وتبني جسور الحب الصاعد إلى الجنة، فلمثلك يا أمّي، ويا أمّ كل شهيدٍ، حقٌ لك أن تفخري اليوم في عيدِك، بأن تكوني أمّاً في الولادة، وأمّاً في الشهادة، وأن تنزلي إلى حومة الوغى صارخةً:

«أقتلوا ما شئتم من الرجال، فأرحامنا تحمُلُ الأبطال !»

قد يعجبك ايضا