موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

فقدت زوجها وابنها بفارق سنة: “إيدي لم يمت وجورج زوجي لم يمت أيضاً”!

في التاسع من شباط (فبراير) الماضي، استسلم إيدي، قرّر الذهاب إلى والده وترك والدته مقهورة. مذذاك اليوم باتت الدموع رفيقتها الوحيدة، بعدما كان إيدي يملأ حياتها بضحكته وحركته. انتظرت ميرنا يوم الحادي والعشرين من آذار (مارس)، علّ إيدي يدخل إلى البيت، كما عادته، حاملاً باقة الورد، فيضمّها ويقبّلها ويقول لها: أحبّك ماما. انتظرت طوال اليوم، حلّ الظلام ولم يعد صغيرها، لم تلمح طيفه من بعيد ولم تشمّ رائحته، فحملت نفسها وباقات الورود البيضاء ووضعتها أمام مذبح الربّ، وصلّت في أربعينه ليتقبّله الله في ملكوته.

توفيّ إيدي في شباط الماضي بالتزامن مع عيد مار مارون، انتقل إلى ملكوت الله بعد 25 يوماً قضاها في العناية الفائقة في غيبوبة. أيّام مرّت دهراً على ميرنا، لم تملّ من الصلاة ولم تفقد الأمل، لازمت المستشفى ونامت على الأرض أمام باب العناية الفائقة. ولمَ لا؟ فقد يستفيق إيدي في أي لحظة ليندهَ “ماما”، فتركض نحوه وتضمّه.

من قال إنّ إيدي توفيّ؟!
اليوم الأربعون على وفاته تزامن مع عيد الأمّ، وقفت ميرنا أمام المحبّين والأقارب والأصدقاء، نظرت إلى حرقة وألم ابنتها ليا، وصدمة ابنها إيلي، وشوق حفيديها يورغن وراين، وأعلنت للجميع: “إيدي لم يمت، وجورج زوجي لم يمت أيضاً”.

في هذا اليوم قرّرت ميرنا أن تخلّد ذكرى صغيرها، أن تقدّم له هدية، ولكلّ الأمّهات والشباب، فكشفت عن الجمعيّة التي أسّستها وحملت اسم “إيدي جورج للتوعية”، وقالت: “الوقوف والحديث أمران صعبان عليّ، لقد مرّ 365 يوماً ولم أتقبّل فقدان جورج. وبعد حادثة إيدي غير المتوقّعه ذقت مجدّداً الكأس المرّة المجبولة بالألم والوجع. لقد بقيت 25 يوماً في المستشفى وأنا أنظر إلى إيدي يذوب مثل الشمعة، وأنا مكبّلة لا أستطيع مساعدته سوى بالصلاة ومناجاة الله والدعاء للقديسين، فقرّرت تخليد ذكراهما، أسّست جمعيّة تحمل اسمهما، للتوعية من مخاطر حوادث السير وخصوصاً الدرّاجات الناريّة، لإيجاد حلول لعمل الباصات وتنظيم سيرها على الطرقات، ولتحسين العمل داخل المستشفيات وخصوصاً في غرف الطوارئ والعناية الفائقة. ستكون أبواب الجمعيّة مفتوحة أمام الجميع، أمام الذين فقدوا إيدي وجورج في حياتهم، وأمام من لا يريد خسارة عزيز”.

وتتابع ميرنا في حديثها لـ”النهار”: “توفيّ زوجي في شهر شباط قبل عام في حادث جرّافة، انقلبت فيه وأصيب في رأسه. وفي شباط من هذا العام، توفي إيدي في حادث على الدرّاجة الناريّة ودخل في غيبوبة. أتمنى أن يتقبّل إيدي مني هذه الجمعيّة، إنها هديتي له، سأعمل فيها وسأحرص على توعية الشباب، حتى لو اضطررت لإدخالهم إلى مدارس تعليم قيادة الدرّاجات الناريّة. سأعمل جاهدة لتنظيم سير الباصات، إيدي لم يمت بسبب السرعة كما ظنّ كثيرون، بل لأن سائق أحد الباصات مرّ بسرعة قياسيّة من الشمال إلى اليمين من أجل 1500 ليرة لبنانيّة يأخذها من راكب. لقد خسرت ابني لقاء 1500 ليرة”.

يوميّات المستشفى
أصعب أيّام ميرنا كانت تلك التي قضتها في المستشفى، لقد دخل إيدي إليها رجله مكسورة. كان في كامل وعيه. في اليوم التالي خضع لعمليّة جراحيّة، وفي اليوم الثالث أصيب بجلطة في رأسه ودخل في غيبوبة. إصابته الوحيدة كانت في رجله. لم يتعرّض لأي ضربة على رأسه. لكنّه القدر، أو الأصحّ، إنها مشيئة الله التي جمعته بوالده الذي اشتاق إليه كثيراً، وامتنع عن زيارة الكنيسة بعد وفاته. زارها الأحد الذي سبق الثلثاء الذي وقعت خلاله الحادثة.

“صعبة كتير تشوفي ابنك عم يتعذّب قدامك وما تقدري تعملي شي، تشوفي روحو عم تطلع وإنت عاجزة”، شعور يحرق قلب ميرنا ويدميه ألماً فتتذكّر: “يوم الأحد قبل وفاته، حرّك يديه وفتح عينيه ورفع رأسه، استبشرت خيراً وقلت لهم إنّه استيقظ وبدأ يتحرّك، فردّوا قائلين: “ابنك يموت”، لم أصدقهم ولم أقطع الأمل يوماً من رؤية عينيه مفتوحتين. ما زلت أصلي للعذراء ليظهر عليّ في الليل ويحدّثني. طوال 25 يوماً كنت أفرك يديه وأجلس قرب سريره، عندما أحادثه كانت تسقط الدموع على وجنتيه الحمراوين. كنت كلّما خفّ نبض قلبه أتضرع بصوت عالٍ “يا عدرا، يا عدرا”، فينبض قلبه بقوّة، إلى أن توقف عن الخفقان. لم أفكّر يوماً أنه سيرحل بهذه الطريقة. إيدي حرقة عمري”.

كانت مستعدّة لتقديم حياتها ليستفيق صغيرها، لتشعر بحنانه، وتسمع صوته، وترى عينيه: “لم يمرّ يوم من دون أن يضمّني ويقبّلني ويقول لي أحبك. لم أتخيّل يوماً أنني سأعيش هذه المأساة. أشعر بوحدة قاتلة وأن حياتي انتهت. لقد أصبح منزلي فارغاً. لقد أسّست عائلة وفقدتها بلمح البصر. لا أصدق كيف أن كسراً في رجله أدخله في غيبوبة قاتلة. لقد نذرت لمار شربل والقديسين ليشفى إيدي، وسأنفذ كلّ وعد قطعته”.

ذكريات وصور ودموع
متوهّم من يظنّ أن الأيام كفيلة بمساعدتنا على النيسان، فكيف ستنسى ميرنا جورج وإيدي؟ جورج أبّ هذه العائلة وإيدي ضحكة البيت. كيف ستخفّف هذه المصيبة على حفيديها اللذين يريدان بناء درج يوصلهما إلى السماء لرؤية إيدي وجدّو جورج؟ كيف ستنظر إلى ليا الحزينة، وماذا تقول لها، وهي بحاجة إلى من يعزّيها؟ ماذا ستقول لإيلي الضائع، لقد كثرت مسؤولياته، وهو لا يدرك إن كان يعيش حقيقة أم حلماً؟

كان إيدي إنساناً ينبض بالحياة. كان يملأ البيت بضحكته وصوته. كان المنزل مليئاً بالفرح والحركة. اليوم، بات المنزل ذو الثلاث طبقات فارغاً إلّا من صور إيدي وجورج المعلّقة على الجدران. لقد تركت ميرنا بيتها ولازمت منزل ابنتها ليا. حديثهم إن تكلموا فهو عن إيدي وجورج. اليوم، تحتفظ ميرنا بفيديوات لضحكة إيدي، تسمعها مراراً وتكراراً ودموع القهر والشوق تنهمر من عينيها. ضحكة قد تعينها لتكمل رسالتها في هذه الحياة.

قد يعجبك ايضا