موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

مُنعت من رؤية جثة زوجها وحُرمت من ابنتها

“أمنيتي الوحيدة أن أحضن كفنه للمرة الأخيرة” بصوت خنقه غدر الزمان، وقسوة الأقرباء، تجهش رنا الفليطي بالبكاء فهي التي حرمت من الحبيب وهو على قيد الحياة، تحرم اليوم من وداعه الى مثواه، ومِمَّن؟ من عائلة عاشت معها سنين، بادلتها الأفراح والأحزان، لكنها اليوم لا تبادلها الوفاء.
على نار اللهفة تنتظر اتصالاً يُخبرها ان اهالي البزالية سمحوا لها ان تقصد المكان وتشارك في مأتم زوجها الشهيد الرقيب علي البزال “لأشمّ عطره للمرة الأخيرة، وأشعر اني بقربه بعد غياب طال. ما يحصل ظلم، أنا التي لم “اقصّر” تجاهه وعائلته تعلم ذلك، أعلم انهم يتعرضون لضغوطات كبيرة، لكن ذلك لا يبرّر ظلمي”، كلمات ممزوجة بالدموع تنبع من قلب محروق يعجز عن تصديق ما يدور، فأيّ انسان لديه إحساس يستطيع ان يحرم عاشقان من وداع بعضهما.
السبب الاساسي لحرمان رنا من لحظات الوداع بعد تسعة اشهر من إعلان خبر الوفاة “كوني من عرسال، وهم يحمّلون مسؤولية استشهاد علي الى اهالي بلدتي، ضَمّوني الى اهل الضيعة ولا مرة افتكروا اني زوجته، نعم انا عرسالية لكني زوجة علي التي عاشت معه ست سنوات في البزالية”.
رسالة رنا الى “النصرة”
رنا التي عملت كل ما في وسعها لاستعادة جثة زوجها تشرح لـ”النهار” “منذ ما يقارب الشهر بعثت وسطاء الى جبهة النصرة في الجرد، حمّلتهم رسالة أن زوجة البزال تريد جثته، فماذا تريدون مقابلاً؟ اردت أن يكون لعلي مكاناً في هذا العالم أستطيع ان أقصده وأبكي امامه، لكن الجبهة رفضت رفضاً تاماً اياً تكن المقايضة سواء بمال او بغيره، ما بعث لي الأمل ان يكون زوجي على قيد الحياة، كنت انظر من نافذتي قبل ان أنام وأتوقع ان يطرق الباب، فجأة سمعتُ في الامس انه تمّ تسليم جثته في وادي حميد، أسرعت الى هناك لأتأكّد أنها وصلت الى المستشفى العسكري في بيروت”.

لم تكحّل عينيها
بلهفة المشتاق الى حبيب غادرها من دون فراق أسرعت رنا الى بيروت وكلّها امل ان تكحل عينيها بمن التقته صدفة قبل ستة أعوام ليصبح اجمل رواية في كتاب حياتها من دون ان تتوقع هكذا نهاية. وقالت “رغم طول الانتظار منع الجميع من رؤية علي حيث اقتصر الأمر على والدته، لا اعلم السبب اذا كانت جثته غير متحللة كما ابلغونا، رأيت ابنتي التي حرمت من حضانتها، وتحدثت الى والدة علي في المستشفى حيث جلست معها ومع أهالي المخطوفين لكن تم تحذيري من الدخول الى الغرفة التي يوجد فيها أعمامه كي لا يحصل تصادم بيننا”.
الى عائلة علي رسالة
بأنين المطعون بسكين أقرب الناس تساءلت رنا عن أسباب حرمانها من ابنتها مرام (ثلاث سنوات ونصف) “بأيّ حقّ يحرموني منها، انا بشر حرمت من زوجي وابنتي وبيتي”. ووجهت لعائلة علي رسالة “اذا كنتم لا تريدون ان تشفقوا على حالي، فلا تظلموا ابنتي وتجعلوها تكمل حياتها من دون والدها ووالدتها”. واستطردت “رغم كل ذلك أنا تواصلت معهم وحاولت إقناعهم بإعادة ابنتي لي، لكن أصرّوا على رفضهم وانا لا اريد الدخول في مشاكل معهم او رفع دعوى، لست انا من يفكّر بهذه الطريقة، ومع ذلك أقول ان الضغوطات عليهم تحول دون تمكّنهم من إعادة مرام الى احضاني”.
لحظات لن تدفن
ولأن الحبّ الحقيقي لا يموت وذكرياته تبقى على موقد الحنين، استذكرت رنا اجمل ايام عاشتها مع حبيبها “أحلى لحظات عشتها معه عندما كانت مرام بعمر الستة اشهر، كان يقول لي انا سأعلّمها الكتابة عندما تدخل المدرسة وانت تعلمينها القراءة، لكنه رحل من دون أن يعلّمها كيف تكتب أو تقرأ، كذلك عندما كنا نلعب بلاي ستايشن ونتعارك من سيغلب الآخر”. تصمت وتعود بشريط الذكريات الى سنين أبعد “اجمل لحظات عندما كنا نقصد نهر العاصي المكان الذي التقينا فيه للمرة الاولى، حيث كنا حريصين ان نذهب في الثاني والعشرين من شهر نيسان كل عام لنجدّد الوفاء للحبّ الذي لن تدفنه الايام”.
” الله معك يا حبّ عمري، الله معك بكل لحظة حلوة عشتها معك”!

المصدر: “النهار”

قد يعجبك ايضا