موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

اتصل بطليقته وطلب منها إحضار الاسعاف “قبل أن ينتحر”

في غرفة الجلوس، جلس ودخّن سيجارة من دون أن يكمل الثانية، فتنفيذ قراره المصيري يستعجله، توجّه الى الشرفة، وقف على كرسي اتصل بطليقته طالباً منها إحضار الاسعاف، ورمى بنفسه من الطبقة الرابعة. هذه صورة سريعة من نهاية مأسوية لأكرم الخمسيني الذي أتعبته الحياة بعدما استفحلت في توجيه طعناتها إليه. سقطَ أكرم أرضاً وسقطت همومه معه، لم يعد هناك ما يحزنه حتى إنه لم ينزف قطرة دم فكأنه جفّ كما جفّت دموعه.

ابن مدينة صور، رسم صورته النهائية بيده، تاركاً للأقارب والجيران حرية رؤية أبعادها كما يشاؤون، وكل منهم خرج بقصة حول أسباب انتحاره. فالجيران يؤكّدون أن رفض زوجته التي تعمل في احدى مصابغ المدينة، العودة اليه دفعه الى هذه الخطوة، “كان في المحل يتبادل الحديث معها وعندما أصرّت على موقفها، قال لها سأهاتفكِ بعد قليل، قصد المنزل اتصل بها، أبلغها القرار ورمى بنفسه”، بحسب جارة الزوجة التي أكدت ان سبب انفصالها عنه هو رفضه ان يورّثها بعض أملاكه.

خسارة كبيرة
25 سنة عاشها أكرم في أميركا، عاد منها بخسارة كبيرة، بعد ان انفصلت عنه زوجته الأولى “التي حرمته من أولاده الأربعة وأمواله”، كما يقول جيران له، الصدمة كانت قوية، أدخلته في وحدة أبعدته عن الناس. وبعد ان أقنعته العائلة تزوّج للمرة الثانية، لكنّه لم يُرزق بأولاد، وبعد ثماني سنوات فقدَ صبره، فانفصل عنها وغادر الحياة. “طليقي أكبر من أن ينتحر بسبب امرأة، كان يعاني من اكتئاب بسيط بسبب فقدانه أولاده، ومن سرطان في معدته لكنني لم أعلم بذلك الا بعد وفاته”، وعما اذا قصدَ مكان عملها قبل ان ينتحر أجابت “نعم اخبرني انه سيقصد المنزل ويهاتفني، وحين قام بذلك طلبَ مني الاتصال بالاسعاف، وكأنه كان يودّعني”. وعن القصة التي يتداولها الجيران علّقت “ليتحدّثوا ما يشاؤون المهم أن ضميري مرتاحٌ”.
نفق مظلم
الأجواء التي أحاطت بأكرم حتى اتخذ قراره بحسب ابن عمه منير تعود الى عوامل نفسية عديدة “بالدرجة الاولى انفصاله عن زوجته وخسارة اولاده في اميركا، حيث مرّ بحالة وحدة شديدة فانقطع عن العالم الخارجي. وبدأ الامر يزداد سوءًا مع الايام، ولم يعرض نفسه على طبيب اذ اعتبر الاهل ان دخوله في علاقة مع امرأة جديدة وإنجابه أطفالاً قد يُخرجه من وحدته، فأقنعوه بالارتباط من جديد، لكن الحظ لم يسعفه للانجاب من زوجته الثانية، فدخل في نفق آخر مظلم، ثمّ انفصل عنها، وبدأ يدخّن كثيراً ويأكل قليلاً، فعانى من أوجاع في معدته، ليتبيّن بعد فحوصات طبية أنه مصاب بسرطان في المعدة والدماغ، ولم يبلغ العائلة بذلك، الا انه شعر بوجود خطب ما وكان ذلك قبل نحو اسبوع من انتحاره”، على حد قوله.
الساعات الأخيرة
وتحدّث منير عن الساعات الأخيرة في حياة اكرم “قبل الحادثة كان طبيعيًّا جداً، عرضَتْ عليه والدته تحضير فطور له، لكنه رفض وشرب ماء وخرج الى منزله، كان هادئاً وبحسب تقرير الأمن دخّن سيجارة ونصف وضع الكرسي على الشرفة وانتحر من دون ان يصرخ او يترك اي اثر، وقد ختمت شرطة صيدا القضائية الملفّ بالتأكيد أنه لا يوجد أي دافع جرمي وراء الانتحار”.
هرمون السعادة
ربّما يكون أكرم توصلَ الى “أنه لا يمكن ان يستمر في الحياة بينما لا يزال والداه الطاعنان في السن يحملان همه، عدا عن شعوره بالوحدة التي سرّعت قراره. شخصيته بدأت عدًّا تنازليًّا على ذاته من دون ان يخبر احداً، ولو قام بأي تلميحات انه من الممكن ان يقدم على هكذا خطوة حتى سيارة لما كنا سمحنا له بقيادتها”، وفق الاخصائي في علم النفس العيادي الدكتور نبيل خوري الذي قدم مطالعة أوّلية حول التفسير النفسي لحالة أكرم مستنداً الى ما نقلته العائلة والى أقوال الزوجة، فأشار الى أن “الاكتئاب حالة مرضيّة طبيّة جديّة، وهو حالة من الاحباط القاسي الذي يعيش فيه الانسان مرارة الحياة لا يجد فيها أيّ لذّة بما فيها لذّة الخروج الليلي او الجنس او الطعام، فيتقوقع وينطوي على نفسه مضيفاً عليها نفحة حزن متعدّدة المرامي حتى يصل الى درجة رفض كل ما هو حوله، حتى المحاولات الحثيثة لتحسين وضعه، لأن هذه الحالة لا يمكن ان تشفى بالتشجيع فهي بحد ذاتها عملية اضطراب هرموني، صحيح انها حالة نفسية بامتياز الا انها تنتج عن نقص حادٍ في مادة السيروتونين (هيرمون السعادة) التي تساعد الانسان على تخطّي عراقيل الحياة وتعقيداتها وصعوبتها، وتساعده على تجاوز عثرات الدهر، اذا تعرّض الانسان لنكسة، نفسية، عصبية، أو مهنية فإنه يستهلك هذه المادة لدرجة ان الغدد التي تُفرزها تصبح في حالة ضعف او عجز، ما يعني ان هذا الانسان بات غير محصّن لتجاوز ايّ عقبة يمكن ان تطرأ عليه، فتتوالى الحالات الاحباطية عليه الواحدة تلو الاخرى”.

وأضاف “هناك حالات اكتئاب كثيرة تؤدي الى الانتحار، لأن السبل تضيق أمام الإنسان فلا يعود يجد جدوى من حياته حتى يصل الى درجة من اليأس، ومن هذا اليأس يتمخض القرار بإنهاء حياته”. وختم ان ” معظم أدوية الاكتئاب التي تحفز إفرازات هورمون السيروتونين في الدماغ قد لا تعطي النتيجة المرجوة، لأنها تعطي حالة معيّنة من الشجاعة والقوة واللامبالاة، وقد تعطي الانسان حوافز إيجابية للانتحار لذلك من الضروري التنبّه الى هذا الموضوع”.

قد يعجبك ايضا