موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

بوسطة عين الرّمانة بمليون دولار أميركي

ما يعرفه معظم اللّبنانيّين عن بوسطة عين الرّمانة هو الربط بينها وبين اليوم الأسود الذي أرّخ لبداية الحرب الأهلية. ربّما هي البوسطة الأشهر لرمزيّتها ولاختزالها رواية بحجم المأساة والأمل في الوطن، أخبرنا إيّاها مالك البوسطة الحالي سامي حمدان، الذي فضّل المحافظة على هيكل بوسطة مهترئ لتحقيق حلمه بامتلاك ذكرى انتهاء الحرب في لبنان.

قتلوا في بوسطتي
13 نيسان 1975، تاريخٌ لن يمحَ من ذاكرة من عاش الحرب، ومن سمع قصصها من أهله. فكيف لصاحب البوسطة التي تحمل الشّؤم؟… يروي صاحب البوسطة الحالي لـ”النّهار” أنّه كان يملك بوسطة أخرى قبل امتلاكه بوسطة عين الرّمّانة. “كنت أعمل سائق بوسطة في المدرسة العامليّة -رأس الّنبع”، ويضيف:”أصيبت البوسطة بقذيفة، فقتل 3 أطفال وجرح 17″.يتذكّرهم والدّمعة في عينيه: ناديا حمدان، علي رعد، ومهى الموسوي”.

يكمل سامي القصّة بحسرة: “كنت أحتفظ بالبوسطة في أرض تقع في منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية. لكن عندما اشتدّت الأحداث، أخذوها ووضعوها على خطّ تماس في منطقة الطّيّونة كمتراس، فدمّرت.عندما كان يحصل قنص في عين الرّمانة باتّجاه الشّياح، كانت الناس تحتار بماذا تستعين لحماية نفسها، وتفضّل الإستعانة بشاحنة أو بوسطة وتضع الرّمل فوقها”.
رحلة البحث عن الذّكريات في بوسطة
يكمل سامي روايته: “حزنت عندما دمّرت، لأنّ حلمي كان أن أصوّنها وأن أصنع ما يشبه ريبورتاج عن الحرب اللّبنانيّة، يجمع صوَراً لأهمّ الإنفجارات وصُوَر القتلى والجرحى كي أُظهر للعالم بشاعة الحرب. أردت أن يرى الجيل الجديد الدّمار والقتل كي لا يعيدها”.
سامي كان يصنع بوسطات، ولديه قطع سيّارات كسر نتيجة الحوادث. وفي أحد الأيّام، جاء صديق ليسأله إن كان يريد أخذ بوسطة لصديقه دون مقابل، لأنّها مصدر “شؤم” بالنّسبة لصاحبها. وطلب مقابل وساطته بينه وبين صاحب البوسطة صندوق شاحنة فقط.

وَجَدَ بوسطة عين الرّمّانة

“لم أكن أعرف أنها بوسطة عين الرّمّانة، لكنني تحمّست للإحتفاظ بها عندما رأيتها، لأنها ذكّرتني بالبوسطة التي كنت أملكها، وعاد الأمل في عرض البوسطة وصوَر الحرب، لتصبح موقعاً ثابتاً يذكّرنا بالحرب كي لا نعيدها،” يكرّر والإبتسامة ترتسم على وجهه.
ويضيف:”عندما أخذت البوسطة، تذكّرت أنها لأبو رضا الحسين، الذي حصلت معه حادثة عين الرّمّانة. اعتبرت أنّ إحتفاظي بها سيكون له أهميّة. بعد عامين، جاء تلفزيون الـLBC ليسأل عنها”.

سامي أمّي تعلّم القراءة في الحرب الأهليّة
يروي السّائق، الذي يختزن نار الحرب وهدنتها في عينيه، أنّه كان أميّاً و”لكن لم يكن جاهلاً”. يؤكّد بكامل الثّقة أنّه تعلّم القراءة بنفسه، من خلال مطالعة الصّحف خلال الحرب الأهليّة: “عام 1975 كانت النّار ولعانة بين مختلف المنظّمات والجيش اللّبناني. حينها كنت أملك محلاّ لقطع السّيّارات في منطقة الصّيفي”.
يضيف مبتسماً: “جيراني كانوا من مختلف التّوجّهات السّياسيّة. فالشّيوعي يقرأ “النّداء”، والكتائبي يقرأ “العمل”، وكان يسألني: هل قرأت مقال جورج عميرات؟ وكانت تصدر صحيفة “لسان الحال” بعد الظّهر. أصبحت أقرأ الصّحف “جرّاء الحاجة”.

الشؤم يلاحقه؟
عند سؤاله إن كان يخاف أن تجلب له الشّؤم، أجابنا: “حصل الشّؤم ولكن لا يمكن أن يحصل مرّة أخرى”. يروي: “كنت مؤمتناً على أرض لأشخاص سعوديّين، وكنت أشتري السّيّارات وأعرضها فيها كوسيلة لكي لا يبني أي شخص عليها. إنّها قصّة طويلة، لكن المهمّ أنّني كنت من أغنى الأغنياء وأصبحت من أفقر الفقراء. لم يبقَ لي سوى البوسطة”.
“كانت قرب جسر المطار، قرب قصر الحاج حسين العويني. كنت أحتفظ بها، ولم أرِد أن يراها أحد حتّى تنتهي الحرب اللّبنانيّة”. لا يذكر في أي عام حصل عليها تحديداً، يصمت قليلاً قبل أن يردف: “هي في حوزتي منذ 15 عاماً”.

هل أصبحت حربنا الأهليّة مصدر رزقه؟
تعدّدت القصص حول استثمار تجاري لبوسطة يكرهها الجميع لأنّها قسّمت البلد، شرّعت الأبواب للقتل على الهويّة، للتشريد ولكافة أنواع الفظاعات التي حفلت بها يوميات الحرب.

رحلة بحثنا عن مالك البوسطة تخلّلتها قصص من أقربائه، وجيرانه في مكان إقامته السّابق في الغبيري، هناك تتبعنا أثره فلم نجده لكننا استمعنا لأخبار عنه وعن “البوسطة” التي منهم من يقول انه استخدمها مرات “لأغراض ربحية”.
لكن بحسب حمدان، المرّة الوحيدة التي تقاضى فيها المال مقابل تأجير البوسطة الموجودة الآن في بلدة شوكين الجنوبيّة، كانت عندما استأجرها متعهّد الاعلانات ابرهيم عيد لاستخدامها في إحياء ذكرى الحرب الذي حمل الشعار الشهير “تنذكر وما تنعاد”. أراد عيد أخذ البوسطة إلى الملعب البلدي في جونيه للمناسبة، لكنّ سامي سأله كيف يضمن أنّ البوسطة ستعود له في حالة جيّدة؟

عندها، اتّفق الطّرفان على مبلغ 10 آلاف دولار أميركي لإستئجار البوسطة لمدّة أسبوع، وعلى مبلغ مليون دولار في حال فقدت البوسطة، كرّس في عقد وقّعا عليه في مكتب محاماة في بدارو.
“وقتها كانت في حاروف”، يقول صاحب الحلم الكبير بشغف، مضيفاً أنّ المصوّر الأجنبي الذي رافقهما خلال رحلة أخذ البوسطة “صوّرها أكثر من 1000 صورة”. ويقول سامي: بعد الإحتفال الذي تمّ في فندق “مونرو” مقابل فندق “الفينيسيا” للتّعريف عن الحدث “تنذكر وما تنعاد”، عرضت في اليوم التّالي في ميدان سباق الخيل حيث أخذت الرّخصة”.

رفض 100,000 دولار لطمرها
قيل أن أحد الأشخاص عرض على سامي مبلغ 100 ألف دولار أميركي لطمر البوسطة، ظنّاً منه أنّه هكذا يطمر الحرب، ورفض. لكنّ مالكها الحالي نفى الأمر قائلاً: “نصحني أحد الأشخاص أن أحتفظ بها لأنّها مصدر رزق وشؤمها سيزول. يجب أن تكون البوسطة في المتحف الوطني، نظراً لأهميّتها”.

مليون دولار
“سألتني إحدى الجمعيّات إن كنت أبيع البوسطة، ووافقت مقابل مبلغ مليون دولار أميركي”. فتفاجأ الجميع لأنّها مهترئة: مليون دولار مقابل خردة؟ أجبت: “قيمتها قليلة بالنّسبة لك، لكن بالنّسبة لي، تستحقّ مليون دولار أميركي”.
تابع: “وأخبرت مسؤول الجمعية لقمان سليم عن حلمي بجعلها مزاراً. لكنّه قال أنّ جمعيّة “أُمم” تقوم على التّبرّعات، ووعد بإعطائي مبلغاً من المال بحسب نسبة التّبرّعات”.
يقول سامي انه طلب مبلغ 10 آلاف دولار مقابل ايجار البوسطة للجمعية واستمرت المفاوضات على السعر لسنتين ونصف السّنة. وفي النهاية فشل الأمر.
رمزيّة البوسطة

يروي السائق الذي يحلم أن يموت خلال قيادة البوسطة: “أنقلها بواسطة قاطرة، لأنّها لا تسير. فـ”موتورها كربج”. ويضيف: “أنا قادر مادياً أن أصلحها، لكنّني أريد أن أتركها لتموت مع الزّمن، لأنّ موتها يعني موت الحرب اللّبنانيّة”. يتساءل: “هل سرّ المسيح في موته أو في قيامته؟” في إشارة منه إلى قيامة البوسطة، التي ترمز إلى قيامة الوطن من جديد.
“لديّ أمل بردم الحرب اللبنانيّة في يوم من الأيام. أحلم بمجيء رئيس جمهوريّة يقول للّبنانيّين: انتهت الحرب اللّبنانيّة. فأعطيه البوسطة، وأقول له: “من هنا بدأت ومن هنا انتهت، لأنّ البوسطة ترمز لبداية الحرب، وعلينا انتظار زوالها لكي تزول الحرب اللّبنانيّة”.
“سأموت خلال قيادة البوسطة”
يعمل الّرّجل السّبعيني سائق تاكسي، كما يقود بوسطة مدرسيّة. يروي بفرح: “قيادة البوسطة هي العزّ بالنّسبة لي. إنّها متعة لن أتخلّى عنها في حياتي”. ثمّ تدمع عيناه قبل أن يقول: “أحلم أن أموت خلال قيادة البوسطة”. ويضيف:” سيّارة الإجرة تزوّدني بمدخول شهري أكثر من البوسطة، لكنّني لا أقدر إلّا أن أقودها”.
يريد سامي 100 ألف دولار أميركي لشراء أرض وجعلها مزاراً لطلّاب المدارس، لكي يتعلّموا من الحرب اللبنانيّة ولا يعيدوا الأخطاء عينها مثلما فعل الجيل الأكبر سناً. بالنّسبة له، هكذا يكون تعليم التاريخ في شكله الصّحيح للأطفال، كي يروا الكراهيّة والحقد ويصنعوا السّلم الأهلي.
البوسطة تسير معنا، جيل بعد جيل… في شؤمها، ووجعها، والأهمّ: استمرارها…

تستمرّ الذّكريات الأليمة، القديمة والحديثة في لبنان. ننتظر الكلمة التي تحمل الحقد كي نردّ بأخرى تحمل حقداً أكبر. لم نتعلّم بعد، وربّما كلام مالك البوسطة سامي حمدان، بأنّها ستزول مع زوال الحرب في لبنان يحمل الكثير من المعاني. فالحرب اللّبنانيّة منزوعة السّلاح ظاهرياً الآن، لكنّنا ما زلنا نقتل بعضنا البعض بحقدنا. فقط نحن من يردم بوسطة الشؤم.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا