موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

“مبنى نوفا” علامة حرب الشياح – عين الرمانة المشجرة

صوتُ رصاصٍ ثاقب في الأرجاء، جثثٌ متناثرةٌ هنا وهناك، زعيق وصريخ مرعبٌ. ووسط الموت هذا، رجلٌ أربعينيٌ يتأبّط مذياعاً صغيراً، يتبعه حشدٌ من الأطفال الّذين لم يتجاوز عمر أكبرهم 17 عاماً. يسير الجمع في الطّريق تحت رحمة القنّاصين.
لا تغيب تلك الصورة عن ذاكرة أم أحمد. مشهد والدها الهارب من لظى الحرب المستعرة في العام 1983 بعد الاجتياح الإسرائيليّ. وبين ضربات العدوّ وتقاتل الشركاء في الوطن انتهت العائلة نازحة إلى عربصاليم الجنوبية.
تتابع أم أحمد الحديث بصعوبة. ثماني سنواتٍ كانت المدة الفاصلة بين اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975 وتهجير العائلة.
بدأت الحكاية في ستينيات القرن الماضي، عندما اشترى رجلان من آل موسى وحيدر مبنًى من طبقتين في محلة طريق صيدا القديمة. وأضافا طبقاتٍ أخرى عليه على فترات متلاحقة. وأُطلق على ذلك المبنى اسم “نوفا” تيمناً بمعمل الألبان الذي كان موجوداً فيه. ضمّ المعمل أكثر من 12 عاملاً جاهدوا كي يصبح اسمه علامةً فارقة في الأسواق. وبالفعل، استطاع “نوفا” تقديم الأفضل في تلك الفترة. لم يكن المعمل، كما العائلة، يعرف الانقسامات،وكانت منتجاته تُوزّع على المناطق اللبنانية كافة من دون تفرقة. وخلال أعياد الميلاد كانت تجري مسابقةٌ في المنطقة تحت عنوان “أجمل زينة لمدخل بناء”. واستطاع “نوفا” انتزاعها في إحدى المرات بزينته الأجمل.
لم تدم تلك الحال فترةً طويلة، مع بدء الحرب الأهليّة، أصبح المبنى الواقع بين خطي تماس، الشياح وعين الرمانة، واجهةً لرصاص المواجهات. رفض رب أسرة أم أحمد ترك منزله والسكن في منازل أخرى هجرها أصحابها المسيحيون مع بدء الحرب في محلّتي معوّض وحارة حريك. فضّل الموت داخل منزله على أن يسكن بطريقةٍ غير شرعية داخل منزل آخر.
“القوّات اللبنانية احتلّت المبنى وطردونا منه”، يقولها أحمد موسى، أحد الورثة. ويتابع مستذكراً “بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 انتشر الجيش اللبناني في المنطقة، واضطررنا بعد أن سيطرت القوات على المبنى أن ننزح إلى الجنوب”.
يسرد موسى قليلاً لتذكّر الأسماء “مبنى المطاحن، والذي يقبع في جنوب شرقنا، كان مركزاً للقناصين. بناية القناطر كذلك، والتي كان اسمها فيروز سابقاً، تمركز فيها القنّاصون أيضاً، كانت لفظة القنّاص مرعبة”.
لم يكتفِ المسلحون وحدهم باحتلال المبنى، فبعد أن أجبروا السكان على مغادرته، أحضروا عائلاتهم الواحدة تلو الأخرى كي يقبعوا في قسم المبنى المطل على المنطقة الشرقية. أما قسمه المطل على المنطقة الغربية فبقي خالياً من السكان حتى عام 1990، عندها قام المسلّحون وعائلاتهم بالتّمركز فيه. أما السكان فلم يستطيعوا العودة إلى المبنى حتى عام 1995.
تعود أم أحمد بالذاكرة إلى الوراء، تستحضر أحداثاً يصعب محوها. في ذاكرتها صورةٌ لتلك العروس الّتي جهّزت شقّةً لها داخل المبنى وفوجئت في ليلة عرسها بتدمير كل أثاثها من قبل المتقاتلين. في ذاكرتها أيضاً مشهدٌ آخر لإخوتها الّذين أنقذتهم وذلك عندما نادتهم لمشاهدة صورةٍ في غرفةٍ أخرى، فما كان إلا أن خرقت قذيفة “آ ربي جي” الحائط الّذي كانوا متواجدين وراءه، “كانوا انقتلوا” تنفعل أم أحمد.
لا يستطيع المارّة في طريق صيدا القديمة أن يميّزَ بسهولة علامات الحرب التي مرّت فيها المنطقة، فالشارع لم يتبقَّ فيه سوى عدة أبنية قليلة من مخلّفاتها. حمل “نوفا” وحده مهمة “الدليل السياحي” للمعارك. أصبح علامةً فارقةً وسط الحداثة الّتي تحيطه، وبقي محلّ استغرابِ المارة الّذين يلقون نظراتٍ عليه بين الفينة والأخرى، وقد يستعينون بكاميرات هواتفهم النقالة لتوثيق اللحظة.
للمبنى سبع طبقات، يزداد تصدعها بارتفاع وتيرة الصعود إليها. في الطبقات الثانية والثالثة والرابعة يقيم سكانٌ قدماء وجدد. أربع شققٍ صغيرة يُدهشك كيف استطاعت أن تخلع عنها ثوب الموت، وتتنفس الحياة من جديد. لا تماهي بين ما يراه المارّون في الخارج وبين بعض الشّقق المرمّمة في الداخل. الطبقة الخامسة من المبنى تخضع حاليّاً للترميم لتصبح بدورها صالحةً للسكن.
عندما تصل إلى الطبقة السادسة تشعر أن الزمن قد عاد بك 26 عاماً إلى الوراء، وتبدأ مخيلتك بنسج أحداثٍ جرت. في هذه البقعة جهز مسلحٌ بندقيته، ومن تلك الزاوية قنص آخرٌ عابرَ سبيلٍ على الطريق. في هذه الغرفة كانت تعقد الاجتماعات ويُخطط للمعارك. وفي الغرفة المجاورة كان رجلٌ وامرأة يمارسان طقوس الحبّ. تتابع المسيرَ بحذرٍ كي لا تفقدَ من مخيلتك حدثاً واحداً. تشعر للحظاتٍ أنك مشاركٌ في المعارك، ومع ارتفاع صوت جرش الحجارة تحت قدميك تصبح المعارك متجسدةً أمامك. في تلك الزاوية هناك أسلم مقاتلٌ روحه، وتنخيل للحظاتٍ دماءه. في هذه الزاوية رصاصةٌ حيّةٌ تخرق الجدار وتصيب مقاتلاً في كتفه، تزداد وتيرة الرصاصات التي تجتاح الحيطان. الغرف ما هي إلا عبارة عن جدرانٍ مثقوبة تخبر عن معارك طاحنة جرت يوماً.
ما يُشعرك بالارتياب عند التجول في تلك الطبقات شعورك بأن حجارة “نوفا” ما تزال حيّة تُرزق، فعلى الرغم من الموت المحدِق بالمكان فإن الحياة تعجّ فيه بطريقةٍ استثنائيّة. أغرب ما في الأمر أنك تسمع صوت ضحكات أطفالٍ صغار يلعبون ويتنقلون بين الغرف والطّبقات.
ما يميز “نوفا” هو ذلك التمرد، فعلى الرغم من أن حرباً طائفيةً جرت هنا إلا أنّ المبنى رفض الانصياع لرغباتها وأبى أن يُصبغ بهويةٍ طائفية. فكما استقرّ “أبو سيمون” هنا ونحت اسمه ليبقى مخلداً في الذاكرة، جلس “أحمد” هناك وخطط اسمه متباهياً. شعارات “حركة أمل” بدورها تجتاح المبنى، وعبارات الحبّ والهيام تسيطر عليه. على إحدى حيطان غرف الطبقة السابعة وقف “حنظلة” باستدارة ظهره المعهودة، وكأنّه يلقي بالدمار والقتل خلفه لا مبالياً.
شاخ المبنى في عدد السنين، لكن روحه مازالت شابة. أكثر من خمسة عقودٍ مرت عليه، والحياة ما زالت تنبعث من حجارته. وكأنّ النبات والشجر الذي تفجّر من تلك الحجارة يُرسل رسالةً إلى الجميع، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، مفادها أن في تلك البقعة الصغيرة مبنى، مرّت عليه الحروب وجرت في أروقته المعارك، لكنه رفض الموت والانصياعَ. وها هو لا يزال صامداً هناك، فاتحاً ذراعيه للعالم أجمع كي يقول “أنا لست مجرّد حجارةً متراصفةً، أنا شهدت الموت وأوهب الحياة، أنا لست مجرّد مبنى اسمه نوفا، أنا مبنى بحجم وطن”.

زينب سرور/ السفير

قد يعجبك ايضا