موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

إيلا التي أهملها طبيب ومستشفى

كان والدها ينتظر في غرفة التوليد خروجها إلى الضوء، فرأى الضوء يخرج منها وفكر سريعاً كم كانت والدتها محقة بتسميتها إيلا أو ضوء القمر الذي لا يغيب بالإيرلندية. إلا أن لعبة البيت «الهنية» خلال الأشهر الثمانية الأولى تحولت إلى مأساة

غسان سعود
قبل ستة أسابيع، اتصلت والدة إيلا بطبيبها تخبره عن ارتفاع حرارتها، فطلب أن تزوره في عيادته في اليوم التالي. فحصها الأربعاء وقال لوالدتها إنها مصابة بزكام ناشف، طالباً منها إعطاءها دواءً خاصاً بخفض الحرارة والوجع. انخفضت الحرارة إثر تناول إيلا الدواء، ثم ارتفعت مجدداً، فهاتف الوالد هذه المرة الطبيب الذي أرسله إلى أحد المستشفيات لإجراء فحصي دم وبول؛ لم يحصل الوالد على نتيجتهما، إلا أن الطبيبة المناوبة طمأنته بعد إعلامها طبيب الفتاة بنتيجتهما الأولية.

لكن قلب الأم وحالة ابنتها منعاها من النوم ليل الخميس، فحملت أشهرها الثمانية وذهبت إلى عيادة الطبيب صباح الجمعة. بادرها الأخير بالقول: «لوين جايبتيها، العيادة مكتظة بالأطفال المصابين بزكام يستمر خمسة أيام، أمامكم يومين بعد». وبعد فحصه الطفلة نتيجة إلحاح الأم، فاجأها بطلبه إجراء فحص دم لإيلا، فذكّرته بأنهم أجروا لها فحص دم وبول أمس وأعلموهم من خلال الطبيبة المناوبة بإيجابية نتيجته. وتكرر مسلسل الحرارة المتواصلة يوم السبت أيضاً، حيث نصح الطبيب هذه المرة بعد الدواء والتحاميل بكمادة المياه الباردة. إلا أن الحرارة تحولت إلى إسهال، فاتجه الوالد حاملاً ابنته إلى المستشفى، ليفاجأ بالطبيب يسأله حين أعلمه بأنه والد إيلا: «مين إيلا؟».
حتى هنا، ثمة طبيب أطفال مشهور يقسم وقته الضيق بين عيادته وعدة مستشفيات ومستوصفات ومئات الاتصالات اليومية، فحص الفتاة مرتين من دون أن يكتشف عدم تشابه حالتها والأطفال الذين مروا بين يديه في هذين اليومين، وهو لا يوحي لأهلها بقلقه عليها أو أقله تذكر اسمها، والأهم: لم ينتبه إلى وجود أمر لافت سواء في فحص الدم أو البول اللذين أجرتهما الطفلة يوم الخميس؛ إما لعدم وجود شيء أو لعدم تركيزه، وهو ما ينتظر حكمي نقابة الأطباء ووزارة الصحة.

أما في المستشفى، فيروي الأهل أن طبيب الطوارئ أعلمهم بعجزه عن إنجاز الفحوصات الأولية لحساسيته تجاه الأطفال. اكتشفت الممرضة انخفاض ضغط الطفلة ولم يفعلوا أي شيء. لم يكن هناك في الطوارئ من يمكنه وضع مصل للطفلة، فاتصلوا بممرضة في قسم الأطفال بالمستشفى. مرت ساعة ولم تحضر الممرضة، فحملوا الطفلة إليها. عجزت الأخيرة عن إيجاد عرق في ذراع الطفلة، فاستعانت بآلة خاصة، وحين شكت الإبرة فوجئت بعدم سيلان الدم، فانتظرت دقيقتين لتحصل على نقطتي دم. الحالة حتى الآن كالآتي: الضغط منخفض، الدم متجمد، الفتاة لا تبول وحرارتها مرتفعة. ومع ذلك لم يهرع الطبيب إلى المستشفى، لم يتم التدقيق بنتائج فحوصاتها ولم يجر لها ميل أو يصور صدرها. وطوال الليل سهرت إيلا ووالدتها وحدهما في غرفة المستشفى من دون أن يطل ممرض واحد أقله عليهما للاطمئنان. صباحاً مر الحكيم بإيلا خلال جولته الروتينية، مؤكداً لوالدتها: بعد الظهر ستلعب معكم. وبعد إنهائه جولته مر عليهم مجدداً ليلفت والدها نظره إلى الطفرة تحت الجلد وازرقاق أسفل قدميها وورم عينيها ورقبتها، فأجابه الطبيب: لا تخف، هذا كله من الحرارة، ستتحسن بعد الظهر. وهكذا مرت ست ساعات أخرى، انتهت بمناداة الأهل للممرضين بعدما ضاقوا برؤية ازرقاق قدميها ويديها يزداد، فيما أنفاسها تتقطع وتواصل عجزها عن التبويل رغم مياه المصل. وحين أتى الطبيب قال للأهل: لا تقلقوا، حالتها جيدة وستلعب معكم غداً صباحاً، لكني أفضل نقلها إلى واحد من المستشفيات الثلاثة في لبنان التي لديها قسم عناية بكلى الأطفال، ليبدأ كل من الوالد والطبيب اتصالاتهما بتلك المستشفيات لنقل الطفلة. وحين وجد الوالد سريراً في الجامعة الأميركية في بيروت يحتاج إلى 24 ساعة ليجهز، فاجأه الطبيب بالقول بكل برودة أعصاب: هذا مستحيل، وضع ابنتك لا يحتمل الانتظار ولو ثلاث ساعات.
هنا «جن» الوالد، وأخذ يفكر بكم الساعات التي أضاعوها سواء بالتنقل بين عيادة الطبيب والبيت والمستشفى أو في المستشفى نفسه أو خلال اتصالهم بكل أعصاب باردة بالمستشفيات لإيجاد سرير لها. وضع ابنته في سيارته مع المعدات اللازمة وانطلق صوب بيروت من دون أن يطلب ملفها الطبي أو أي شيء آخر. في الطريق، هاتف الطبيب ليسأله رأيه بطبيب آخر يعمل في مستشفى أوتيل ديو، فنصحه به. إلا أن طبيب أوتيل ديو جنّ هو الآخر كيف يرسل له زميله حالة كهذه وهو يعلم أنه ليس لديهم في «أوتيل ديو» الوسائل اللازمة لمعالجتها، طالباً من والدها إكمال طريقه صوب «الأميركية».
وهنا بينت الفحوصات العاجلة بلوغ إيلا مرحلة تستدعي بتر أطرافها الأربعة للحفاظ على حياتها. ووسط ذهول الأهل خسرت هذه الفتاة يديها الصغيرتين وقدميها. ولا شيء يوتر الأهل اليوم أكثر من عبارة ترد في أحد تقارير مستشفى الجامعة الأميركية وتشير إلى «احتمال» أن يكون الشلل الذي أصاب الأطراف الأربعة هو نتيجة لـ»التشخيص المتأخر لانخفاض ضغط الدم قبل نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية». في ظل تأكيد الأهل أنهم لم يتأخروا أبداً سواء في مراجعة الطبيب أو في أخذ ابنتهم إلى عيادته والمستشفى أو في إجراء مختلف الفحوصات التي طلبت منهم.
إيلا ترفض الخسارة؛ تبتسم في سريرها معولة على حركات عينيها وشفتيها لتعويض اليدين والقدمين، وهي تجري عملية أسبوعياً لتنظيف اللحم. ما يوجع أكثر من قصتها هو بحث نقابتي الأطباء والمستشفيات عن المخرج الأنسب لحماية الطبيب والمستشفى من أي محاسبة؛ بدل أن يبادر الطبيب بنفسه والمستشفى إلى الاعتراف بتقصيرهما وعدم إيلائهما حالة إيلا الاهتمام الكافي، والاعتذار منها أولاً وأخيراً، علماً بأن ابتسامتها توحي باستعدادها الكبير للمسامحة. والأسوأ يكمن في ضغط المقربين من رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان وأحد المرجعيات الدينية للحؤول دون محاسبة المستشفى والطبيب، سواء نقابياً أو قضائياً.

المصدر: الأخبار

قد يعجبك ايضا