موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ارتبط بحبيبته تسع سنوات قبل أن يخطفه الموت…العائلة في انتظار التحقيق

والدي أنا اختنق، والدي لم أعد احتمل، أنقذني كما أنقذتني من عدة مآزق، أنا الآن أصارع الحياة ولا أريدها أن تغلبني، أريدك إلى جانبي، قم واركض إلي قبل أن تصرعني، أريد أن أكمل مشواري مع خطيبتي وأحبّائي وأن أحقّق أحلامي… أين أنت لا تسمعني … بلّغ سلامي لوالدتي وحبيبتي، وأخبرهما أنّي لم أشأ أن أفارقهما وأترك حرقة في قلبيهما، لكن النار حرقتني، غلبتني، قتلتني… هذا بعض من نداء العريف الشهيد عادل سعادة الذي شعر والده به في تلك الليلة المظلمة.
صباح يوم الاثنين الماضي ودّع عادل (28 عاماً) والدته ووالده، سألهما إن كانا يحتاجان شيئاً، اخذ رضاهما وانطلق من دون أن يتوقّع أنه لن يعود الى المنزل بعدها، وكيف يتوقع ذلك وكل حديثه عن مستقبله وكيفية إنهاء بيته للزواج من حبيبته التي انتظرته تسع سنوات لترتبط به. لكن غدر الموت خطفه وغيّر مستقبله ومستقبل عائلته.
شارع النويري في بيروت هادئ وكأنه يفتقد الى الشاب الذي ترعرع في أحضانه، وركض في جنباته وملأت ضحكاته أرجاءه. في الطابق السابع من أحد مبانيه صوت القرآن يكسر سكون المكان… داخل منزل الشهيد نساء تبكيه، ووالدة تندب حبيبًا فارقها بسبب إهمال مسؤوليه بحسب ما قالت لـ”النهار”. وبصوت يختنق حزناً على بطلها المقدام الذي خنقته لحظات حاقدة في سرداب مظلم وظالم، راحت تتلوى على جمر فقدانه “انا ام الشهيد، انا أم البطل، الجريء، المحب، الحنون الذي تحمل مع والده مسؤولية البيت، فكان خير سند للجميع”. وأضافت “الملاك الطاهر رحل، الله اعطاني والله اخذ “.

مناجاة لم تسمع
لم يعرف داود والد عادل النوم في ذلك اليوم، “كنت قلقاً، اتقلّب يميناً وشمالاً، كان ابني يناديني، كان يستنجد بي، لكن يا حسرة! شعرت بعادل ولم أدرك ما يحصل معه، كان يحترق في النار تحت الارض، وأنا اتلوى على سريري، كم هي غدارة الحياة، كم هو قاس القدر، يا ليتني انا من اختنق واحترق وتعذب، في سبيل أن يبقى ابني سليماً من كل كرب”.
والده يبكيه، وما أصعبها حين تُبكي الحياة رجلاً كبيرًا! فلو لم يكن المصاب يهزّ الجبال، لما انهمرت دموعه على وجنتيه. يقول والغصة في الحلق تمنع الكلمات من الخروج، “كان عادل يدرس هندسة اتصالات، فطلبت منه ان يدخل الى فوج الإطفاء كوني أنا رجل إطفاء سابق. رفض بداية، لكنني أقنعته ان الوظيفة مهمّة وبإمكانه إكمال علمه والعمل معاً، اقتنع ويا ليته لم يقتنع”. وأضاف “كان حنوناً جداً عليّ، ويسألني دائمًا هل ستحبّ أولادي كما تحبّ أولاد أشقائي؟ استعدّ سنذهب الى بيت حبيبتي خلال عشرة أيام لكي نطلب يدها بشكل رسمي”.

“مفصل حياتي كسر”

اشترى سعادة منزلا في منطقة عرمون قبل فترة، وهو يسدّد أقساطه 700 دولار كل شهر، كان يسعى الى أخذ قرض من الاسكان لتسديد ما تبقى عليه من دفعات، أنهى ديكوره وبدأ بشراء الفرش، وقبل يوم من الحادث كان هو وحبيبته لارا في شمال لبنان، من اجل شراء غرفة جلوس، في طريق العودة قال لها أتمنّى ان أموت قبلك وقبل والدتي فأنا لا أتحمل ان أفقدكما، تقول منهارة، فالخسارة كبيرة “خسرت أخًا وأبًا وحبيبًا، خسرت الرفيق الذي لا أفارقه على مدار الساعة، كنت أبقى الى جانبه ولا يبعدني عنه الا النوم. وحين يكون في عمله أبقى على تواصل معه من خلال الواتس اب، وفي ذلك اليوم المشؤوم ترك عمله وقصد دكان والدته. التقيته هناك، وتحادثنا الى ان تلقّى اتصالاً من عمله أُخبِر خلاله ان عليه العودة الى دوامه، فهناك حريق في منطقة مار الياس بانتظار إطفائه، كانت تلك آخر مرة أرى فيها من شاركني لحظات فرحي وحزني، من لعبنا ركضنا ضحكنا تشاجرنا ورضينا سوية، كان مفصل حياتي الذي كسر، انا متأكدة أنه قاوم حتى الرمق الاخير كي يبقى بقربي، لكن الظلام غادِر، وكيف اذا اجتمع مع حريق”، وأضافت “اذا كان موته ليس بسبب اي تقصير انا راضية، لكن إن تأكد وجود إهمال، حينها أريد ان يذوقوا ما أذاقوه لحبيبي”.

تساؤلات والد مفجوع
يقاطعها داود” أكد لي قائد فوج الاطفاء انه سيتابع القضية حتى النهاية، كي يتوصّل الى معرفة المسؤول وتحميله المسؤولية، انا انتظر التقرير النهائي، وعلى أساسه سأتحرّك”. وتساءل “أيعقل ان يُزجّ بابني وصديقه العريف محمد المولى في حريق، من دون ان يقودهما ضابط، ومن دون مصابيح؟” وشرح “انا رجل إطفاء ولديّ خبرة طويلة، كيف يمكن ان يدخل أبناؤنا الى مستودع تحت الارض من دون أجهزة اتصال ومصابيح وحزام يوضع على الخصر يربط بحبل موصول الى الخارج لإعطاء إشارة من خلال شدّه في حال واجه الاطفائي اي حادث مفاجئ في الداخل؟!”.
فدا مَنْ رحل؟
لعادل خمس شقيقات وشقيق يبكونه بهدوء قاتل، فخبر موته تلقّوه كالسمّ القاتل، وها هم اليوم ينازعون فراقه، تقول احدى شقيقاته “رحل البطل، رحل الشهم، لكن فداء من؟ فداء بعض كراتين وورق! لو انه رحل وهو ينقذ البشر، لكنا قلنا إنه فداء ارواح تنازع القدر! لكن ان يُزجّ به بين نيران غادرة، ويُنسى لساعات قاتلة فهذا ذنب لا يغتفر”.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا