موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الأدوية في «دكاكين» حي السلم: «على عينك يا دولة»

في سوق حي السلم الشعبي تختلط أصوات بائعي الخضر واللحوم والدجاج والسمك مع أصوات بائعي الألبسة والعطورات والألعاب والأدوات المنزلية. كل شيء له سوق، وسوق حي السلم يتسع لكل شيء، حتى الأدوية، بما فيها المهربة والمزوّرة والممنوعة، التي تباع علناً في دكاكين ـ وليس في صيدليات ـ مثلها مثل أيّ سلعة تجارية أخرى!

سمعت «لينا» بدواء لتخفيض الوزن فعّال جداً من جارتها التي خسرت نحو 20 كليوغراماً خلال خمسة أشهر، من دون أي مجهود سوى تناول بعض الأقراص من تلك العلبة الصفراء، التي ابتاعتها من محل الألعاب القريب من منزلهم، فاشترته هي الأخرى من المصدر نفسه، وتناولته بحسب وصفة صاحب المحل ـ غير الصيدلي طبعاً ـ حبة صباحاً وحبة مساءً. بعد أيام، ساءت حالتها وبدأت تشعر بضربات سريعة في القلب وارتعاش في البدن وجفاف في الفم وصداع، إلى أن وصلت العوارض إلى حدّ مخيف، فتوقفت طوعاً عن تناول هذا الدواء فزالت العوارض، ولم تعد إلى تناوله من جديد.

لم يكن هذا الدواء سوى «ريداكت» Redact، النسخة السورية من دواء Reductil المسحوب من الصيدليات في لبنان منذ عام 2011، لاحتوائه على مادة Sibutramine الممنوعة عالمياً. هذه المادة، بحسب رئيس الهيئة الوطنية الصحية النائب السابق الدكتور إسماعيل سكرية، «من أخطر المواد الدوائية الممنوعة الاستخدام في تركيبات الدواء من المنظمة الأميركية للدواء FDA ومن الوكالة الأوروبية للدواء EMA منذ عام 2010، نتيجة لمضاعفاتها الخطيرة جداً على الصحة. فقد يؤدي تناول هذه المادة إلى ارتفاع معدل ضغط الدم والنبض والتسبب في جلطات في الرأس والقلب والعيون… ويمكن أن تصل المضاعفات إلى حد الوفاة».
ليس «محل الألعاب» المذكور أعلاه هو الوحيد الذي يبيع الأدوية والمستحضرات الصيدلانية علانية ومن دون خوف من أي رقابة؛ المتاجر منتشرة على طول الطريق في السوق، ولا تقتصر مبيعاتها على أدوية التنحيف، بل تتعداها إلى الأدوية الجلدية وغير الجلدية التي تستخدم لعلاج حبّ الشباب والكلف والبثور والصدفية والبواسير… بعض هذه الأدوية لا يصرف من الصيدلية إلا بوصفة طبيب لاحتوائه على مادة الكورتيزون التي تسبب انخفاض مناعة الجسم، إضافة الى مضادات الالتهاب التي يؤدي تناولها بشكل عشوائي إلى زيادة مقاومة البكتيريا للأدوية، عدا عن مخاطر تحسّس الجلد وجفافه أو حتى احتراقه، فكيف تباع في «دكان» وتوصف من قبل من شخص ليس اختصاصياً؟
أحد أصحاب تلك المتاجر يشرح «لزبائنه» كيفية استخدام هذا الدواء أو ذاك بكل ثقة كأي صيدلي محترف! لكنه بالطبع لا يعرف تركيبات الأدوية ولا تأثيرها في الجسم. هو ببساطة يتعاطى معها كسلعة تجارية تحقق له الأرباح وليس كمادة خطيرة تتعلق بصحة الناس.
«محل الألعاب» يبيع الأدوية والمستحضرات الصيدلانية علانية
ما يزيد الوضع سوءاً هو أن هذه الأدوية والمستحضرات مهربة في معظمها، يجري تعليبها وتغليفها في لبنان، وتباع بأسعار زهيدة جداً مقارنة بسعرها في الصيدليات. يمكنك مثلاً شراء مستحضر حماية للوجه Protection من ماركة عالمية كـAvene أو Bioderma أو Uriage تحمل التغليف الخارجي نفسه للماركة الأصلية مع اسم بلد المنشأ، وهو فرنسا، بسعر 5000 ليرة لبنانية، بينما يتعدى سعرها في الصيدلية أربعين ألف ليرة لبنانية. يزعم أحد الصيادلة لـ»الأخبار» أن ربح الصيدلي في هذه المنتجات لا يتعدى 9 آلاف ليرة، لذلك يصبح من البديهي أن نسأل: ماذا تحتوي تلك العلب؟
التلاعب بالغلاف الخارجي للدواء يمكن أن ينسحب على المحتوى، أي التلاعب بفعالية المادة الدوائية وحتى بتاريخ الصلاحية. فالمشكلة لا تكمن فقط في تهريب الدواء ـ علماً بأن طرق تخزينه وتوزيعه قد تعرضه للتلف، خصوصاً إذا تعرض لأشعة الشمس ـ بل هناك ما هو أخطر، مثل تزوير الدواء والتلاعب بتركيبته. لا يستغرب سكرية مثل هذه الممارسات «لأن الدولة طوال عشرين عاماً لم تتعاط بجدية مع ملف الدواء، بل شجعت وحمت هذه السوق، ولا نزال نجد أدوية مسحوبة أو مجهولة المصدر أو ذات تركيب وهمي لا يحتوي على أي مكوّن دوائي أو منتهية الصلاحية تُضخّ إلى السوق، ولا تصل فقط إلى «دكاكين» في حي السلم، بل تصل إلى صيدليات ومستوصفات ومستشفيات، في ظل استقالة أجهزة الرقابة من دورها وتواطؤ بعضها مع مافيات الدواء».
لا تقتصر هذه الحالة على سوق حي السلم فقط، لكن الإهمال يصبح فاقعاً في منطقة يصنّف سكانها ضمن الفئات الأكثر فقراً، لأن السبب الأهم الذي يدفعهم إلى استهلاك الدواء من «الدكان» هو سعره المنخفض؛ فأكثرية هؤلاء لا تشملهم التغطية الصحية، ما يضطرهم إلى الإنفاق من جيوبهم واقتطاع الفاتورة الصحية من ميزانية أسرهم ذات الدخل المحدود والواقعة تحت ضغط أوضاع معيشية متردية، إذ تشير الاحصائيات إلى أن نصف اللبنانيين غير مشمولين بحماية صحية دائمة، وكون الطبابة في بلد مثل لبنان مكلفة، فإنهم يلجأون إلى المصدر الذي يؤمن لهم هذه الخدمة بكلفة أقل وإن بنسبة مخاطر مرتفعة، لا يدركونها إلا بعد أن تصبح أجسادهم حقول اختبار في دولة تتعامل مع مواطنيها كفئران تجارب!
زينب محسن- الاخبار

قد يعجبك ايضا