موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

هادي رمي رضيعاً في النفايات.. ماذا حصل معه بعد أربع سنوات؟

ذات يوم ربيعي، كانت هند برفقة زوجها يوسف عندما سمعا بكاء طفل قرب حاوية نفايات. اقتربا معاً ووجدا طفلاً رضيعاً عمره يوم واحد، متروكاً في كرتونة على قارعة الطريق. لم يتردّدا لحظة بالتقاطه وحمله إلى منزلهما في الرويسات، بعدما أبلغا القوى الأمنيّة عن الحادثة، وأتمّا الأوراق القانونيّة اللازمة، وأخذا على عاتقهما مهمّة إعالته.
هكذا تحوّل “طفل الكرتونة” إلى هادي الحاج حسين، شاء القدر أن يلتقي به يوسف وهند بعدما تركه والداه. أشفقت عليه هند فيما والدته الحقيقيّة لم تسأل نفسها عمّا سيحل به وحيداً في كرتونة. أخذه يوسف على عاتقه رغم وضعه الماديّ الصعب فيما لم يكترث والده كيف سيصارع للبقاء.
على مدى أربعة أعوام، لم تفرّق هند بين هادي، وبين ولديها بشّار وزينب. ولم يجد يوسف أن ما يربطه بولديه يختلف عمّا يشعر به ناحية هادي. لقد تحوّل “طفل الكرتونة” إلى صغير ذلك البيت، بات شقيقهما الصغير وابنهما المدلّل. بشّار يلعب معه ويحميه من أولاد الحيّ، زينب تعطف وتحنّ عليه، يوسف يلاعبه ويؤمّن حاجاته كلّها، وهند تسهر عليه، تطعمه وتلبسه وتبكي لبكائه وتفرح لفرحه.
القدر يتدخّل مجدّداً

محطّة ثانية مع القدر توقّف عندها هادي. مات يوسف وباتت العائلة من دون معيل، حاولت هند الوقوف على رجيلها، وتقول لـ”النهار”: “توفيّ زوجي فجأة، تركنا ورحل من دون أي ضمان، فقدنا معيل العائلة. لم أيأس، وقفت على رجليّ ولم أستسلم، عملت في البيوت، كنت ألتقط التنك والحديد والزجاج عن الطريق وأبيعها مقابل القليل من المال. مال يكفي لجلب خبزنا اليوميّ. لم أعد قادرة على إعالة بشار وزينب، ومعهما هادي”.
لا تريد هند رمي الطفل الذي عثرت عليه مصادفة، وما زالت تحتفظ بأشيائه منذ صغره. لا تريد سلخه عن قلبها ومن حضنها، هي من تعلّقت به وأحبّته ولم تفرّقه عن فلذات كبدها. تريد له حياة كريمة، ولا تريد للقدر أن يتحامل عليه مجدّداً “لهادي مكانة خاصّة في قلبي، لا يختلف عن ولديّ بشيء، فأنا أحبّه وأخاف عليه وأعادي الناس من أجله، ربّيته مثل أولادي، ولكن لم أعد قادرة على إعالته وإطعامه، لا يمكنني التفكير باحتمال عدم رؤيته مجدّداً، لكن لا أريد له أن يتعذّب أكثر. أعطف عليه كثيراً، وأدرك أنه بحاجة إلي أكثر من ابني حتى. هادي لا يتكلّم، لديه مشكلات في النطق، وضعه حسّاس، لن أرميه في الطريق، أتمنى لو تتمكّن إحدى الجمعيّات من إعالته وأخذه على عاتقها، أريده أن يتعلّم وأن يأكل ويشرب وأن ينمو بصحّة، شرط أن يسمحوا لي برؤيته دائماً وأن لا يمنعوني عنه”.
لا تعرف هند هوية أهل هادي البيولوجيين، لم يسأل أحد عنه يوماً. عثورها عليه اعتبرته رسالة من الله. ربّته بعينيها، سهرت عليه، اهتمت به، بكت أمام وجعه ومرضه، أحبّته من قلبها. هادي اسم على مسمّى كما تصفه “هني ما عذّبني ولا يوم، قلبو طيّب وحنون. ما زلت أذكر صوت بكائه في ذاك اليوم، وأذكر ضحكته البريئة عندما أطعمته وحضنته، أحبّبته منذ اللحظة الأولى، لقد عشت مشاعر الأمومة معه، إنه قطعة مني، لقد رأيته يكبر أمامي، ورافقته على مدى أربعة أعوام، أتمنى لو يبقى معي، ولكني لن أستطيع تأمين حياة كريمة له. لن أستطيع تأسيس مستقبل آمن ومشرّف له”.
أولاد الكرتونة في ازدياد

الآباء يأكلون الحصرم والأولاد يضرسون، ينجبون أولاداً ويرمونهم على قارعة الطرق، يعيشون لحظة اللذة من دون أن يتحمّلوا عواقبها اللاحقة. هادي رُمي في المجهول، أيادي يوسف وهناء البيضاء التقطته وحضنته. اليوم يواجه مصيراً مجهولاً أيضاً، ولد هادي ليدفع ثمن خطيئة ارتكبها أهله البيولوجيون، وها هو يعاقب جوراً وظلماً.
ليست قصّة هادي المأسويّة الوحيدة، فنحن نسمع شهرياً عن أولاد تركوا ورميوا على الطريق، فبحسب إحصائيّات قوى الأمن الداخلي التي حصلت عليها “النهار”، هناك ثماني حالات منذ بدء عام 2015، لقد عُثر على ثمانية أطفال على الطرقات، سبعة منهم حديثو الولادة رميوا في عكار وبيروت والمتن والجنوب، وولد واحد يبلغ الرابعة من العمر رمته زوجة والده على الطريق في إحدى القرى الجنوبيّة قبل أن يستيعده والده من المخفر.
واقع ومصير ينعكس سلباً على مستقبلهم ونفسيّتهم وحياتهم، يكبرون من دون هويات، يحملون جمعياً اسم “لقطاء”. لقطاء ينتظرون داراً ترعاهم أو أسرة تحتضنهم. لقطاء يتعلّقون بأمل، بيد بيضاء قد تمتدّ إليهم.

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا