موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

لا تخنقوا المشنوق

غادة عيد:

ليست المرّة الأولى التي يُضرب فيها سجناء في سجن روميه. وهذا الاسلوب المتّبع من قبل عناصر وضباط في قوى الأمن الداخلي حرّاس سجن “الموت” في روميه ليس جديداً.
سنوات مضت على إنتفاضة عنيفة أدّت الى موت سجناء نعم موت برصاص قالوا انه مطاطي عندما اقتحم الفهود والمغاوير مجتمعين عام 2011 زنزانات كانت تحترق باعترضات ساكنيها على وضعهم المزري هناك، يومها برنامج الفساد الذي يعرض على تلفزيون الجديد تبنّى القضية ونقل صوراً أكثر بشاعة من صور الضرب فيها دماء السجناء وعلامات الضرب المبرح باديه على أجسامهم. يومها اعتصم الأهالي، رموا أبواب روميه وقصر العدل في بيروت بالحجارة. وكلّف القاضي سعيد ميرزا، مدّعي عام التمييز آنذاك لجنة للإطلاع على أحوال المساجين بعد الانتفاضة. ورغم كل التعتيم ومحاولات الترقيع، رصدت حالات موت وعنف جسدي مورس على السجناء وكانت هذه الحالات دافعاً الى اقرار قانون يجعل من السنة السجينة تسعة أشهر.
صحيح أن وزارة الداخلية تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية اهمال هذا السجن الذي لطالما وصفناه ونصفه حالياً بأنه لا يليق بالبشر ويصلح للحيوانات فقط، لكن وليس دفاعاً عن وزير الداخلية الحالي نهاد المشنوق، لقد آن الأوان الى أن نعتبر أن الحكم استمرارية وفي مسؤولية الحكم استمرارية أيضاً، لقد استطاع شريط فيديو مسرّب واضح من داخل السجن ان يهزّ مشاعر اللبنانيين ونخوتهم الجانحة دائماً نحو حقوق الانسان، ولكن ما ظهر في هذا الشريط هو أسلوب متمادٍ منذ سنوات طويلة عن نهج معتمدٍ في سجن رومية وسائر السجون اللبنانية في زحلة والقبة وغيرها. فهل زار أحد القضاة يوما عنابر السجون المظلمة وهذا واجب عليهم مدوّن في أصول المحاكمات الجزائية، ليروا كيف يعيش السجناء لا سيّما الأبرياء منهم الذين ينتظرون شحطة أقلام القضاء لسنوات وأحياناً شطر شحطة الأقلام هذه برائتهم.

هل يعلم اللبنانيون ان في السجن موقوفين اسلاميين ومسيحيين متروكين ومدعوسين فقط لأنهم فقراء لا يملكون ثمن امتيازات هي حق لهم لا يحصلون عليها إلا بالمال الذي يدفع لعناصر وضباط.

في الذاكرة عن سجن روميه روايات وصلت حد قصص الموت الحقيقية وكل اسباب هذا الموت كاذبة التوقف الفجائي عن القلب اما لماذا وكيف هل وجدت المحكمة العسكرية يوماً إجابات لأهالي السجناء الشهداء وهم في ريعان شبابهم. ونذكر من شهداء روميه الشاب روي عازار الذي قضى مباشرةً برصاصة أصابت قلبه أثناء الانتفاضة واقتحام العنابر من قبل “الفهود والمغاوير”.

في الذاكرة عن سجن روميه ليالٍ من الصراخ والعويل والخيب كانت تنقل إلينا عبر الأجهزة الخلوية التي كانت مصدر تجارة وربح للقوى الأمنية، عنوان هذا المصدر “بطاقات التشريج”.

وفي الذاكرة عن سجن روميه ان الأوجاع هناك لا تهدا إلا بالحبوب المخدرة التي دخلت البازار الاستثماري أيضاً لحرّاس السجن.

في الذاكرة عن رومية اتهامات لنا بأننا نبالغ وأنه يجب علينا السكوت ولم نسكت، واجهنا الأمن والقضاء من أجل امهات كن يحملن غالونات المياه من مسافة بعيدة لإرواء أولادهن وللإطمئنان على حياتهم بعد أن تحول السجناء مجرمون كانوا أو أبرياء الى مظلومين لأن حقهم منتهك في كلّ الأحوال.

في الذاكرة عن روميه روايات المتاجرة والمزايدة من قبل سياسيين وجمعيات مدنية بأحوال السجناء، وفي الذاكرة أيضاً صور كتلك الأشرطة التي شاهدناها تقشعر لها الأبدان لكن مشكلتنا في لبنان أن الأبدان تزول عنها القشعريرة بسرعة. والتعاطف الحقوقي والإنساني الذي يبدو لا يستمر مفعوله بالسريانن والذاكرة عندنا باتت خبيرة في فعل الحذف وإذا قلناها بالإنكليزية ” Delete” ربما يفهمها الناس المفتونون بتقنيات الأجهزة الخلوية.

“روميه”، الموت، الظلم، البطش، الانتهاك، الجرائم بحق الانسانية، او بالاحرى السجن في روميه، وعفوا من بلدة روميه الوادعة الجميلة، هناك فعل مستمر في الوحشية التي شارك فيها الأمن والقضاء مجتمعاً و”السلطة كلها من فوق الى تحت” لأن ما يسرّب عما يحصل في روميه ليس وليد ساعة الفيديو الشهير انما كان مكشوفاً لجميع اهل الحكم قبل ذلك ولسنوات عدة وتم السكوت عنه فلا تخنقوا المشنوق اليوم بحبل المسؤولية الملقاة على كتفه لطالما حملت أكتافكم آثام السكوت عن حقوق الفقراء والضعفاء. وقد بات المشهد المنفعل من قبل السلطة والناس على حد السواء هو خنق المشنوق فيما انمحى شريط الموت والضرب السابق في السجن

نعم عندنا فقط لا يخنق إلّا المشنوق (والتعبير باستعمال اسم عائلة وزير الداخلية مجازي طبعاً). وعندنا لا يداس ويُضرب إلا العاجز عن النهوض، ولا يرمى خلف القضبان إلا الصغار، السارقين والارهابيين فيما كبار الإجراميين المحترفين، إما هم أسياد وزعماء، وإمّا تنقلهم أموالهم الى خارج البلاد أو إذا ما رُفعت عنهم الأغطية فإن أموالهم أيضاً تجعلهم يقيمون في السجن بغرف 5 نجوم أو في مستشفى الحياة.

من ذاكرة لم يمارس عليها فعل الحذف نقول، لو أننا نحاسب على الفعل حتى النهاية فلا تتحرك مشاعرنا كما الغرائز عند ردّة الفعل.

وزراء سابقون قبل نهاد المشنوق، مروان شربل وقبله تولّوا هيئات لإصلاح السجون وجمعوا الأموال من الحكومة والمتبرّعين باسم السجناء المذلولين، ولم نعلم أين ذهبت هذه الأموال. الوزير الحالي جمع أموالاً من رجال أعمال يمون عليهم بلغت 5 ملايين دولار وأودعت حساب مصرفي باسم “الهيئة الوطنية لتأهيل السجون” وأنجز بعض الإ|صلاحات ولو أتت خجولة قياساً على المطلوب. فلنحاسبه إذا لم ينفقها في مكانها كما فعل وزراء قبله، واذا لم يحاسب المعتدون على السجناء الذين ظهرت صورهم مؤخراً كما فعل وزراء أسلافه شاهدوا صور التعذيب والتعنيف والموت ولم يحرّكوا ساكناً. ولإنعاش الذاكرة صور ومعلومات هي غيض من فيض ما حصل في السجن المركزي اللبناني سابقاً.

يبقى أننا نحتاج الى ثقافة العدل المفقودة في النهج والأداء وحتى في الفكر فيما “ساعة عدلٍ هي أفضل من سبعين ساعة عبادة”.

قد يعجبك ايضا