موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

200 ألف ليرة لبنانيّة كلّفته حياته: سالم زغيب ضحية من نوع اخر

“يلحقوني ع قبري مش رح إدفعو”… تلك كانت كلمات سالم زغيب الأخيرة قبل أن يفارق الحياة. سالم سائق التاكسي الذي سُطِّر بحقّه محضر مخالفة سير بقيمة 200 ألف ليرة لبنانيّة. مبلغ يعمل طوال الأسبوع ليجنيه. لم يتحمّل سالم ما اعتبره ظلماً، ولم يتمكّن من تمالك أعصابه، انفعل وشتم دولة تطبّق قوانينها على الفقراء وتسهّل مخالفات الكبار. توفي إثر ذبحة قلبيّة، وغادر ممسكًا بكلمته “فليحقوا بي إلى القبر، لن أدفع الضبط”.

كيف وقعت الحادثة؟
كان سالم مارًّا على جسر ضبيه ليقلّ أحد الركّاب. نسي وضع حزام الأمان، فتفاجأ بحاجز أمني، أوقفه وسطّر محضر مخالفة بحقّه بموجب قانون السير الجديد. لم يتحمّل سالم الواقعة، كيف سيدفع 200 ألف ليرة لبنانيّة وهو يعمل طوال الأسبوع ليجنيها؟ يقول سليم مخلوف، صاحب مكتب Vision Taxi الذي يعمل زغيب فيه لـ”النهار”: “كان سالم في طريقه ليقلّ راكبًا طلب تاكسي من الشركة، وقعت الحادثة على جسر ضبيه، لم يكن يضع حزام الأمان، فسطّر العنصر الأمني محضر ضبط بحقّه، وحصلت مشاجرة بينهما. غضب سالم كثيراً وعند عودته إلى المكتب أخبرنا بما حدث، وكان منفعلاً، ثمّ توجّه مجدّداً إلى بيروت ليقل بعض الركّاب”.

في الطريق إلى بيروت، اتصل سالم بصاحب المكتب طالباً منه أن يرسل سائقاً بديلاً عنه، لأنه يشعر بتوعّك ولن يتمكّن من الوصول إلى الزبائن، دقائق واتصل به رقم من بيروت، من ميني ماركت ركن سالم سيّارته بجانبه، ويتابع مخلوف: “اتصلوا من الميني ماركت ليخبروني أن سالم يتعرّض لذبحة قلبيّة، وأنهم طلبوا له الصليب الأحمر رغم معارضته. حاولوا إسعافه في السيّارة وفي الطريق إلى المستشفى، وظلوا يحاولون لأكثر من ساعة لإنقاذه، لكنّه فارق الحياة في مستشفى المشرق في المكلس”.

200 ألف ليرة قتلته
كان سالم رجلاً مرحاً وطيباً، يحبّ الناس، لا تفارق البسمة وجهه، ملتزم بالقوانين، ويعيش ليؤمن خبزه كفاف يومه، كما يؤكّد ابن عمّه خليل زغيب لـ”النهار”: “200 ألف ليرة لبنانيّة قضت على حياته. مات فقع فهو يعمل طوال الأسبوع ليجني هذا المبلغ، يعمل بعرق جبينه ليؤمن حاجياته. هذا مصيره فلا أحد يدري ما ينتظره. كان سالم إنساناً مرحاً، يضحك رغم مشاكله. لم يتحمّل الأمر وأصيب بذبحة قلبيّة وتوفي مساء أمس، على أن يدفن اليوم في كنيسة كفردبيان”.

لم تعلم العائلة بالحادثة إلّا صباح اليوم، فابن الـ59 عاماً يعيش في الزوق بمفرده، ولكلّ من شقيقه سليم وشقيقته نجاة عائلته الخاصّة وحياته. صدمت العائلة بالخبر، صحيح أنه يعاني من أمراض بالقلب لكن غيابه كان مفاجئاً. شقيقته نجاة التي لم تشفَ بعد من حادثة استشهاد شقيقها الأكبر مع الجيش اللبناني، ها هي تذوق المرّ مجدّداً، وشقيقه سليم بات اليوم من دون سند لقد رحل شقيقه الوحيد على غفلة.

ويتابع ابن عمّه: “يعاني سالم من أمراض في القلب، وسبق وخضع لتمييل وروسور، لم يتحمّل ربّما الصدمة، ففي أيامنا هذه الإنسان العادي قد يتأثر بعشرة آلاف تضيع منه. لا يمكننا أن نلوم أحد، فعناصر الأمن كانوا يقومون بواجباتهم ولكننا نحمد الله أنه كان يقود سيّارته بهدوء وعلى يمين الطريق من دون أن يكون معه أحد في السيّارة. في هذه الحياة كلّ منا يعيش المكتوب له”.

خالف سالم القانون، عرّض نفسه للخطر، لكنه لم يمت. الوضع المعيشي السيء والغرامات المرتفعة أزعجته وأفقدته صوابه إلى أن أصيب بذبحة قلبيّة. عناصر قوى الأمن الداخلي طبّقوا القانون الصادر، لكن الدولة متى ستلتفت إلى الفقراء؟ متى ستقام وستتحمّل مسؤوليّة أبنائها؟ في دولة الحقّ والعدل كانت الدولة لتجلد نفسها لأن سالم توفيّ، وفقط لأنه لا يملك قيمة ضبط المخالفة. أمّا في لبنان فنبكي اليوم على سالم وغداً على غيره… وتستمرّ شبه الحياة…

المصدر: النهار

قد يعجبك ايضا