موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

العميل الذي خرج من السجن.. مجنوناً!

على كرسي بلاستيكي أبيض، دخل شهيد توميّة بشعره الأشيب الكث محمولاً على يدي عنصرين من الجيش اللبناني إلى قاعة المحكمة العسكريّة. المقدّم في الجيش والمتّهم بالتعامل مع العدو الإسرائيلي لا يتكلّم كثيراً عن أمور واقعيّة، بل يفضّل أن ينظر إلى من حوله ثم إلى الأرض بنظرات ضائعة، وذلك بعد أن قرّر التخلي عن الضمادة التي كان يضعها على عينه اليسرى لأشهر طويلة «كي لا يدخل الشيطان إلى جسده وروحه عن طريق عينه اليسرى».

وبالإضافة إلى هذا المشهد، كانت مرافعة وكيلي الدفاع عن توميّة تتمحور حول نقطة واحدة لا غير: الرجل مجنون وغير مدرك لما فعله أو يفعله.
وبالتالي، خرج تومية من المحكمة العسكريّة مجنوناً ومصابا بعاهة وراثيّة أيضاً، بالرغم من أنّ المعلومات التي أدلى بها إلى العدو كانت دقيقة فهو الذي زوّد «الموساد» بمعلومات عن بعض الألوية وطائفة عديد الجيش بالإضافة إلى معطيات عن زيارات قام بها العماد جان قهوجي إلى مراكز عسكريّة في المناطق، كما أنّ إفادته لدى قاضي التحقيق العسكري كانت منطقيّة.

ولكن نجح تومية في إخراج نفسه من ورطة السجن المؤبّد، إذ أنّه سيخرج قريباً بعد أن استوفى مدّة الحكم التي قرّرتها هيئة المحكمة العسكريّة الدائمة، أمس، بالحكم عليه بالأشغال الشاقة لمدّة 8 سنوات وتغريمه 500 ألف ليرة لبنانيّة وتجريده من حقوقه المدنيّة ومصادرة المضبوط من منزله (أدوات التواصل مع العدو)، باستثناء الأوراق الشخصيّة، وذلك لأنّه قضى في السجن أكثر من 78 شهراً سجيناً إثر توقيفه في أيّار 2009.

وقد مثل، أمس، تحت قوس المحكمة من دون أن يتفوّه بالكثير من الكلمات، وهو الذي قضى سنتين من مدة توقيفه في المستشفى العسكري لمعاناته من أمراض نفسيّة وعصبيّة. وحتى إن تكلّم، فإنّ كلامه يأتي خارج سياق استجوابه عن تهمتين: الأولى التعامل مع العدو وإعطاء إحداثيات ومعلومات للإسرائيليين عن الجيش اللبناني، والثانية محاولته الهرب من المستشفى العسكري بعد عرضه رشوة على أحد العسكريين المولجين بحمايته من دون أن يلقى العرض قبولاً.

وفق رواية المتّهم، فإن العسكريين داخل المستشفى قد صلبوه كالمسيح لمدّة 7 أشهر، ومنعوه من التوجّه إلى المرحاض إلا مرةً كلّ شهر!
ومع ذلك، فإن تومية لا يطلب إلا «أن يسامح الله هؤلاء العسكريين، الذين أيضاً كذبوا بشأن محاولة هربه»، مع العلم أنّ هناك تسجيلات تؤكّد هذه الحادثة، تماماً كما أن هناك وثائق تثبت قضيّة تعامله مع العدوّ والعثور على أكثر من وسيلة (منها طابعة سريّة) في منزله كان يستخدمها للتواصل مع ضبّاط «الموساد»، والتي حاول التخلّص منها قبيل القبض عليه.

بالأمس، ركّز تومية ووكيلا الدفاع عنه في القضيتين المحاميان أماني ميتا وجويف مخايل على أنّه لم يكن بوعيه وإدراكه لما كان يفعله. فتوجّه الموقوف إلى رئيس المحكمة العسكريّة العميد الركن الطيّار خليل ابراهيم قائلاً: «ارحمني، وأنا أطلب من الله أن يليّن قلبك حتى أعود إلى المنزل»، مضيفاً: «أنا مريض وأسمع صوت الشيطان في أذني وأطلب أن ترحموني بعد كلّ التعذيب الذي تعذبته والضرب الذي تعرّضت له على كلّ جسدي، ومع ذلك فأنا أقول فدا أولادي وفدا الجيش فأنا دمي للجيش، وأنا نفسي صالحة وقلبي رحب».

وبالرغم من أن توميّة كان يؤكّد أنّه مريض وغير واعٍ في كلّ ما فعله، إلا أن ذلك لم يمنعه من تلاوة فعل الندامة، إذ أكّد أنّه «نادمٌ على كلّ ما فعله»، ومع ذلك رفض الاعتراف بقضيّة التعامل، إذ أنّ الرجل كان يتفوّه مرة بجملة واقعيّة ولكنّه ما يلبث أن يعود ويقول أموراً غير منطقيّة لدى التعمّق بتفاصيل القضية.

في حين ركّز وكيله جوزيف مخايل في مرافعته، التي امتدّت لأكثر من ساعة كاملة، على التقارير الطبيّة الستة التي تشرح الوضع الصحي لموكّله، مع أن بعضها كان متناقضاً مع البعض الآخر، لا سيّما أن عدداً من الأطباء أشاروا إلى أنّ المريض ليس غير مدرك كلياً وإن كان يعاني من اضطرابات نفسيّة، فيما البعض الآخر تحدّث عن أنّ الرجل يعاني من مرض «الانفصام الزوراني».

كما استند مخايل على إفادة زوجته التي أشارت إلى أنّ زوجها كان يدّعي دوماً أنّ هناك من يراقبه أو أن أحدهم يحاول قتله بالسمّ، بالإضافة إلى أنّه يسمع دائماً أصواتا يدعي أنها صوت الشيطان تأمره بفعل أشياء غريبة. كما أنّ المحامي ارتكز على سؤاله بعض رفاق السلاح الذين أشاروا إلى أنّه لم يكن يتصرّف كشخص سويّ، فهو كان يرخي لحيته حتى إبّان خدمته في الجيش وكان ينام في متراسه ويترك مكان خدمته من دون إذن، وهنا اعترض العميد ابراهيم الذي أشار إلى أنّه خدم مع تومية في التسعينيات وكان الأخير «راجح العقل».

كذلك، عاد مخايل إلى السجل المرضي للعائلة ليلفت الانتباه إلى أنّ والد تومية أيضاً كان يعاني من اضطرابات نفسية خطيرة أدخل على إثرها إلى دير الصليب قبل أن يعالج منها ويعود إلى خدمته في الجيش اللبناني.

وبعد ذلك، أيّدت محامية تومية أماني ميتا مرافعة زميلها مخايل، وطلبا إعفاءه من العقاب لعلّة الجنون، أو البراءة وإلا كفّ التعقبات لعدم كفاية الدليل.

المصدر: السفير

قد يعجبك ايضا