موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

رحلة الأسير “الطريد”..

لم يتّعظ إمام «مسجد بلال بن رباح» المتواري عن الأنظار الشيخ أحمد الأسير من الأحداث والمطبّات والمآزق التي أوقع نفسه بها، وتحوّل من نجم استحوذت ظاهرته على الاهتمام في مرحلة معينة، إلى طريد للعدالة ومتوارٍ عن الأنظار…

وبدلاً من أنْ يلتقي المسؤولين أصبح يبحث عن ملاذٍ آمن…
وبدلاً من المواكب الكبيرة وبأحدث السيارات، حيث يراقب ويستكشف المناطق من خلف «زجاج داكن» وسط حماية أمنية، إذا به يتنقّل خفية وخلسة، ومتنكّراً في شاحنة أو سيارة…

هي حكاية الأسير الباحث عن دور، وإنْ كان تنفيذاً لأجندة محلية أو خارجية، لا فرق طالما أنّ الغاية التي يريدها تتحقّق، وهي الضوء الإعلامي، حتى ولو كان على حساب دماء شهداء الجيش اللبناني أو أبناء مدينته صيدا ممَّنْ غَرّر بهم، في ظروف تصوّروا أنّهم يحقّقون أحلاماً راودتهم من أجل قضية العرب الأولى فلسطين، أو نصرة المظلومين، فتحوّل الحِراك السياسي وتقديم الورود إلى الجيش اللبناني إطلاقاً للرصاص وسقوطاً للشهداء في صفوف المؤسّسة العسكرية…

لقد ظلم الأسير نفسه ومَنْ أغواهم اتبّاعاً ومناصرة، بعدما خذلهم وأخذهم إلى مكان لم يكن باعتقادهم أنّه سيصلون إليه، فزادوا شرخاً على الساحة اللبنانية الداخلية، وتمزيقاً في العلاقات السنية – الشيعية، وإمعاناً في ضرب الساحة السنية ومحاولة تمزيقها وإيجاد «محاور»، وهو الهدف الأساسي لمَنْ وجّه الأسير وسيّره في لحظة هامة…

الأسير وبعد عامين على اعتداء مجموعاته على الجيش اللبناني (23 حزيران 2013)، غرّد عبر حسابه على «تويتر» برابط تسجيل يتضمن قصفاً، لم يشمل هذه المرّة «حزب الله»، بعدما استنفدت مهمّته تجاهه في هذا المجال، بل استهدف «الجماعة الإسلامية»، بعدما كان قد شنَّ هجوماً على «تيار المستقبل» ووزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق وقوى من أهل السُنّة، والمفارقة أنّ ذلك جاء تزامناً مع تحرّكات شاجبة لما تعرّض له الإسلاميون الموقوفون في سجن رومية، والبعض منهم يقبع هناك لأنّه سار خلف ضلالة الأسير…
لماذا توقيت مواقف الأسير هذه بعد قضية رومية وتخصيصه 21 دقيقة هجوماً تجاه أهل السُنّة؟!.

صيدا لم تعلق في شباك الأسير
لقد طرحت ظاهرة الشيخ أحمد هلال الأسير (مواليد صيدا 1968)، في توقيتها جملة من التساؤلات، واستحوذت على الاهتمام لأسباب ومعطيات متعدّدة، عرف كيف يستفيد منها ويحقّق ما كان يدغدغ أحلامه بأنْ يصبح نجماً إعلامياً، فأتقن ذلك بكل براعة ومهارة، واستطاع سريعاً وخلال فترة قصيرة، وخاصة في العام 2011، أنْ يستحوذ على الاهتمام، وعندما أسميناها – آنذاك – «ظاهرة غريبة» عن أطوار صيدا ومنطقتها وغير عادية وغير طبيعية، احتج وغضب الأسير، لكن أثبتت الأيام أنّ صيدا بعمقها الجنوبي نحو الثقل الشيعي، وشرقاً نحو التواجد المسيحي، ومتكئاً على المخيّمات، حيث أكبر التجمّعات الفلسطينية في لبنان في مخيّم عين الحلوة، استطاعت أنْ تواجه مثل هذه الظواهر البعيدة كل البُعد عن طبيعتها التي اتسم بها أهل عاصمة المقاومة والتحرير والعيش الوطني الطبيعي، عبر كل التاريخ الطويل لهم، بل المشرّف والمجيد والمرصّع بالنضال والتضحيات من أجل الحفاظ على لبنان واحداً موحّداً لكل أبنائه، بصرف النظر عن انتماءاتهم وتعدّدهم، ورغم كل الظروف وما شهده بلد الأرز من اصطفافات وحروب واجتياحات واعتداءات للاحتلال الإسرائيلي.

هذا النموذج الصيداوي الوطني المؤمن بأنّ الوطن للجميع يتعايشون فيه جنباً إلى جنب – بغض النظر عن الانتماء الطائفي وحتى الحزبي – جعل من صيدا مكاناً آمناً، حيث عاشت كل الفئات في المدينة جنباً إلى جنب، ولم يتّهجر منها أي مواطن لانتمائه إلى ملّة أو طائفة أو حزب، وحتى مَنْ وَفَدَ إليها ممَّنْ عانى من نتائج الحروب والفرز الحزبي أو الطائفي أو المذهبي، فظلّت الحرية فيها لكل واحد من أبنائها نمط العيش والاستمرار والبقاء فيها.
من هنا، جاءت ظاهرة الأسير «النافرة»، التي كادت أنْ تمر مرور الكرام دون أنْ تترك أي أثر على الساحة الصيداوية، حيث اعتبرت بداية أنّها مجرّد حركة اعتراضية وتذهب في حال سبيلها، لكن شكّلت حالة من ردود الفعل غير العادية، حيث استغل التركيز على إذكاء النعرات المذهبية واللعب على الوتر الطائفي، الذي وجد من يتناغم وإياه في أحيان كثيرة لدى الطرف الآخر، وارتفعت حدّة الخطاب الإعلامي لتتحوّل من الدعوة إلى السياسة، بل القيام بتحرّكات صُنِّفَتْ في خانة الاستفزاز وحدوث إشكالات مع أطراف صيداوية كانت تؤجّل الانفجار، قبل أنْ يطوّر تركيزه على سلاح «حزب الله» و«سرايا المقاومة» التابعة له وشققها في جوار المربّع الأمني التي اتخذه في عبرا، وإحداها موجودة قبل سيطرة الأسير على «مسجد بلال بن رباح».

السيطرة على «مسجد بلال بن رباح»
انتسب الأسير إلى «جماعة الدعوة والتبليغ» التي تتبع الإقناع سبيلاً للالتزام الديني، وتؤمن بالتوعية من خلال الزيارات والكلمة الطيبة والخروج من أجل الدعوة، وتمكّن خلال فترة قصيرة من الاضطلاع بدور رئيسي في هذه الجماعة، التي كانت قد أسّست في العام 1998 «مسجد بلال بن رباح» في عبرا – صيدا بتبرّعات ذاتية من محسنين كان الكثير منهم يتردّدون على المسجد، فضلاً عن تبرّعات خيّرين من أبناء المدينة والجوار.

واستطاع الأسير بمعاونة عدد من الأشخاص المقرّبين منه، الاستئثار بقرار الجمعية، فيما كان خيّرون في الجمعية يفضّلون الابتعاد لتغيّر الأهداف التي كانوا يؤمنون بها، والخطوات التي كانوا يتّبعونها بالكلمة الطيبة وعمل الخير، ورفض إدخال السياسة إلى جمعيتهم، وتمكّن بمساعدة مناصرين له من السيطرة على المسجد، حيث عرف كيف يدغدغ مشاعر المصلّين والتحدّث بما يختلج عقول الكثير منهم، قبل أنْ يتحوّل محيط المسجد إلى مربّع أمني، بعدما اختيار الأسير وعدد من المقرّبين منه المبنى المقابل للمسجد مكاناً للسكن، وذلك في إطار خطواته بالتمكين في المسجد والمربّع الأمني والتمدّد باستمالة عدد من خطباء المساجد في صيدا الذين أصبحوا يناصرونه وينفّذون تعليماته.
عرف الأسير كيف يُطلِق عناوين عريضة بالدفاع عن أهل السُنّة، وإعادة حقوقهم المسلوبة، فاستقطب الشباب المتحمس، الذين تعدّوا منطقة صيدا إلى مناطق أخرى زارها لاحقاً، مُقيماً الاحتفالات والمناسبات، ومهاجماً ومنتقداً مسؤولين رسميين وروحيين وقضاة وضبّاط في المؤسّسة العسكرية والقوى الأمنية، وحماية مناصريه ممَّنْ اعتدوا على الجيش اللبناني أو القوى الأمنية.

اعتصام بأضرار متعدّدة
كان يتم التعاطي مع ظاهرة الأسير دون حسم، بل إنّه كانت تتم معالجة الأمور بـ«المسكّنات»، التي تؤخّر الأزمة دون معالجة جذورها، فيما كانت ترتفع لهجة وتهديدات الأسير مع الأحداث في سوريا، ومع تقرّب الفنان المعتزل فضل شاكر (فضل عبد الرحمن شمندر، مواليد 1969) منه، حيث انهالت الأموال من خارج لبنان، وتم شراء كميات كبيرة من الأسلحة لتوزيعها على المناصرين، (وإنْ كان بعض المقرّبين منه باعوها إلى المناصرين)، وفي إحدى الصفقات التي حاول الوسيط «التذاكي» على تجّار السلاح بخفض قيمة الدفعة، فسلّموه أسلحة غير مطابقة للمواصفات!.
لعل البارز كان الاعتصام الذي نفّذه الأسير على «بوليفار الدكتور نزيه البزري» – «البوليفار الشرقي» لمدينة صيدا (27 حزيران 2012) واضعاً جملة من المطالب، وهو يعرف مسبقاً أنّه لا يمكن تحقيقها في تلك المرحلة، خاصة سحب سلاح «حزب الله»، حيث تعدّدت الأنشطة الترفيهية في الاعتصام، وتفنّن الأسير بمزاولة هوايتاه من ركوب الخيل والدراجة الهوائية والسباحة والدبكة وكرة الطاولة، وترك لحيته للحلاق لتهذيبها (وإنْ أقدم لاحقاً بعد فراره مِرَاراً وتكراراً على حلقها لتتماشى مع تغيير ملامحه وتنكّره)، ورفض دعوات فاعليات المدينة للتعقّل وفك الاعتصام، فشن هجوماً على الجميع لأنّهم لم يقفوا عند دعم مآربه وغاياته.

وانعكس الاعتصام سلباً على أصحاب المؤسّسات التجارية ومعارض السيارات في تلك المنطقة، وشملت أضراره المدينة بأسرها إنْ كان من الناحية الاقتصادية أو تجنّب الكثيرين التسوّق منها، حيث ما زالت تعاني المدينة من تردّداته السلبية حتى اليوم.

جرى البحث عن مخرج للانسحاب من الشارع وتحقق فك الاعتصام بعد اللقاء الذي عُقِدَ بين وفد «القوى الإسلامية» في مخيّم عين الحلوة مع الأسير، حيث أبلغوه بأنّهم لن يناصروه على خطوته هذه، وأنّ ما يقوم به لا يحقّق أي نتيجة، فأعلن الأسير فك اعتصامه صباح الأربعاء 1 آب 2012، تزامناً مع ذكرى عيد الجيش اللبناني وتقديراً له، لكن تحول هذا التقدير لاحقاً إلى إطلاق للنار.

ورود للجيش واستهدافه

الأسير الذي كان يؤكد سابقاً أنّ الجيش خطاً أحمر ممنوع تجاوزه، وأنّ مَنْ يُسيء إليه حتى ولو كان من الإسلاميين يجب أنْ تتم محاسبته، وإذا ما تعرّض مسلح أو أحد الإسلاميين بإساءة للجيش يجب أنْ يتم التحقيق معه، وفي ضوئه تتضح الأمور، تحول إلى داعٍ لأبناء الطائفة السنية في الجيش للانشقاق والتحريض عليه، وهو ما ثبت فشله، لأنّ المؤسّسة العسكرية أثبتت بفضل القيادة الحكيمة لقائد الجيش العماد جان قهوجي أنّها أنموذج عن لبنان الحقيقي، حيث أنصهر أبناؤه في بوتقة واحدة، وواجهوا العدو الصهيوني وعملاءه والإرهاب، فضلاً عن حفظ الأمن والاستقرار، ولاحقاً حول الورود التي قدمها إلى ضباط وعناصر الجيش رصاصاً فسقط شهداء وجرحى في صفوفه.

تطوّر سجال بين مناصري الأسير و«سرايا المقاومة» حيث سُجِّلَتْ سلسلة من الإشكالات والحوادث أبرزها بشأن حرب اللافتات، وما جرى في منطقة تعمير عين الحلوة (11 تشرين الثاني 2012)، حيث قُتِلَ خلاله اثنين من مرافقيه: هما المهندس علي سمهون ولبنان العزي، اللذين جرى دفنهما في «دوار الكرامة» عند مدخل الاعتصام الذي كان يُقيمه، كما قُتل فيه الفتى المصري محمد الشربيني وجُرِحَ وجرح 3 آخرون.
وحاول الأسير الإعلان عن إنشاء فصيل «مقاوم لـ «إسرائيل» والمشروع الإيراني وحلفائه» من أجل نصرة الشعب الفلسطيني ومنع احتكار «حزب الله» للمقاومة وحدّد تاريخ 17 تشرين الثاني 2012 موعداً للإعلان عن ذلك، وهو ما لم يتم!.

ونشط الأسير في تشكيل خلايا متعدّدة على الساحة اللبنانية، وتعمّق أكثر في الأحداث في سوريا، وبعدما نشر صورة له خلال قتاله في بلدة القصير السورية، ظهر فيها سلاحه «مؤمن» (29 نيسان 2013)، أعلن عن إنشاء «كتائب المقاومة الحرّة» (أيار 2013) للقتال في سوريا والجهاد في القصير، وجرى التعرّض للصهاريج التي كانت تنقل المازوت من لبنان إلى سوريا، كما أقدم مناصروه على قطع عدد من الطرقات في لبنان، وخاصة في مدينة صيدا والطريق الساحلي، وتبيّن أنّ الهدف كان السيطرة بالنار عبر أماكن استراتيجية، على الطريق بين بيروت والجنوب، وهي الطريق الحيوي لـ «حزب الله».

وكان يتحدّث بأنّ هناك أكثر من 5 آلاف شخص جاهزون للقتال من بين 25 ألف بإمكانهم حمل السلاح، لكن ربّما تأخّر وصولهم قبل فِراره وتواريه عن الأنظار!

تُوّجت الإشكالات بين مناصري الأسير و«سرايا المقاومة»، باشتباكات في محيط «مسجد بلال بن رباح» (18 حزيران 2013) وسقط فيها قتيلان من «سرايا المقاومة» وجُرِحَ عدد من مناصري الأسير، قبل أنْ يتوقّف القصف بعد الوساطة التي قام بها مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان، الذي خاطر بحياته بالانتقال إلى «مسجد بلال بن رباح» تحت وابل من زخات الرصاص بمؤازرة القوى الأمنية، وتم التوافق على إجراء اتصالات لسحب فتائل التفجير.

وأعلن الأسير عن أنّ هناك 3 خيارات بشأن شقّتَيْ «سرايا المقاومة» في محيط «مسجد بلال بن رباح»، هي:
– إما إزالتهما من قِبل المسؤولين عنهما.
– أو نقل المسجد من مكانه.
– أو الحسم العسكري.

شرارة الإشكال مع الجيش

وتكثّفت الاتصالات التي جرت من أجل إيجاد مخرج، حيث عُقِدَ اجتماع ظهر يوم الأحد (23 حزيران) بين المفتي سوسان ورئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» النيابية النائب محمد رعد في فيلا الحاج محمد كوثراني في مجدليون، وتم التوافق خلالها على جملة من الأمور كان من المنتظر أنْ تعطي ثمارها الإيجابية.

لكن المفاجأة كانت أنّه بعد دقائق قليلة من هذا الاجتماع، حصل تلاسن بين عدد من مناصري الأسير مع نقطة للجيش اللبناني كان يُقيمها في منطقة عبرا، فرفض مناصروه الانصياع لتفتيش الجيش سيارة كانوا يستقلونها، عُثِرَ بداخلها على عصي وآلات حادة، ولما أًبلغ الأسير بذلك، طلب منهم التوجّه من أجل إزالة الحاجز بالقوّة، وهو ما رصدته التسجيلات عمّا بدر منه، حيث جرى إطلاق الرصاص على نقطة الجيش اللبناني، فاستشهد ضابطان وعسكري وجُرِحَ آخرون، وعندها قرّرت قيادة الجيش التعامل بالمثل، خاصة أنّ الأسير رفض تسليم مطلقي النار، فحصلت معركة، استشهد فيها 20 شهيداً وأكثر من 35 جريحاً من ضبّاط ورتباء وجنود، فيما قُتِلَ حوالى 17 من مناصري الأسير، فضلاً عن جرح العشرات من المدنيين وأضرار مادية جسيمة في المربّع الأمني.

في غضون ذلك، نشطت الوساطات من أجل وقف إطلاق النار، حيث وصل وفد «هيئة علماء المسلمين» برئاسة الشيخ سالم الرافعي من طرابلس إلى مدينة صيدا، وطلب القيام بوساطة والسماح له بفتح المساجد لإقامة اعتصامات حتى يتم إنهاء الإشكال، وهو ما جرى رفضه، فعاد الوفد أدراجه.

رفض الإغراءات المالية!
أوفد الأسير أحد المقرّبين منه إلى مخيّم عين الحلوة حاملاً مبلغاً كبيراً من المال، بهدف نيل موافقة «القوى الإسلامية» في المخيّم على مؤازرته، وفتح جبهة تعمير عين الحلوة للتخفيف من الضغط عن منطقة عبرا، لكن على الرغم من الإغراءات المالية الكبيرة، إلا أنّ «القوى الإسلامية» في المخيّم رفضت ذلك، مُدينةً اعتداء الأسير على الجيش اللبناني، ومؤكدةً أنها ستمنع مَنْ يحاول إطلاق النار على الجيش في التعمير لمحاولة زج المخيّم في معركة غير معني بها.

يوم الإثنين، سقط المربّع الأمني للأسير بأيدي الجيش اللبناني، حيث تبيّن وجود جثث لقنّاصة وغرباء عن المنطقة من جنسيات لبنانية وفلسطينية وسورية، ولمّا تسلّم المفتي سوسان المسجد، عُثِرً بداخله على عبوات وترسانة أسلحة، إضافة إلى «منامات» للمقاتلين، تردّد أنّ عددهم بلغ حوالى 200.

وفرَّ الأسير وشاكر الدائرة الضيّقة المقرّبة منهما قبل توقيفهما، فيما جرى توقيف العديد من مناصري الأسير، ولاحقاً جرى أيضاً توقيف عدد من مناصريه الأسير وبينهم مقربين منه وفي طليعتهم: علي عبد الواحد (مواليد 1983، أوقف بتاريخ 30 تموز 2013) وهادي القواس (مواليد 1972 أوقف بتاريخ 6 آب 2013) وأحمد محمد هاشم (مواليد 1987، أوقف في آب 2013)، والذين أدلوا باعترافات هامة خاصة لجهة طريقة مغادرة الأسير وشاكر المربّع الأمني.

الاختباء في شبكات الصرف الصحي
واعترف هاشم بأنّ الأسير خرج مع شقيقه أمجد (مواليد 1973) وأولاده الثلاثة وفضل شاكر ومرافقين سيراً على الأقدام عبر طريق وعرة، وانتقلوا إلى شقته في «بناية المستقبل» – صيدا، حيث حلق الجميع ذقونهم، قبل أنْ ينتقلوا إلى منطقة شرحبيل، التي مكثوا فيها لأيام عدّة، وانتقل شاكر من هناك إلى مخيّم عين الحلوة، فيما انتقل الأسير وشقيقه أمجد وأولاده الثلاثة والشيخ يوسف حنينة على متن شاحنة إلى منطقة طرابلس، حيث أقاموا في ضيافة الشيخ سالم الرافعي في الكورة لمدّة 3 أشهر، قبل الانتقال للإقامة لدى الشيخ خالد حبلص في بحنين في منطقة الشمال وهو الذي كان من مُحبي الأسير، ونال مبلغ 500 ألف دولار أميركي لشراء أسلحة من قِبل تجّار من عكار، يتم تأمينها من الداخل السوري، وقد أشرف أولاد الأسير وشقيقه على تدريب مجموعات مسلّحة كان حبلص قد بدأ بإنشائها في المنية والتبانة وعدد من أحياء طرابلس، حيث شاركوا في الأحداث التي وقعت في طرابلس قبل دخول الجيش اللبناني إليها، ومغادرة الأسير وحبلص منها بعد الاختباء في شبكات الصرف الصحي في المنية.

انتقل الأسير من هناك إلى منزل يخص الموظف في وزارة المالية معتصم قدّورة في حمانا، الذي كان يؤمّن له الأدوية ومتطلّباته قبل العودة إلى صيدا عبر الشاحنة ذاتها، والاختباء في إحدى الشقق وتغيير أماكن إقامته، إذ كان يتابع معتصم قدّورة تأمين كافة احتياجاته، لكن بعد توقيف حبلص (9 نيسان 2015) واعترافه بأنّ معتصم هو مَنْ يؤمّن متطلبات الأسير، فرَّ معتصم إلى مخيّم عين الحلوة، فيما الأسير لا يزال متوارياً عن الأنظار.
وهذا يؤكد أنّ الأسير لم يدخل بعد أحداث عبرا إلى مخيّم عين الحلوة خلافاً لما حاول البعض ترويجه!

لكن المؤسف أنّ الأسير استطاع التغرير بعدد من الشباب، والبعض منهم قام بعمليات انتحارية، من بينهم تنفيذ الهجوم الانتحاري ضد السفارة الإيرانية في بئر حسن عبر التفجير المزدوج الذي نفّذه معين أبو ظهر وعدنان موسى المحمد (19 تشرين الثاني 2013)، وكذلك مقتل اللبناني محمد جميل الظريف والفلسطيني بهاء الدين محمد السيد وشخص ثالث وُجِدَتْ معه هوية بإسم ابراهيم المير، وتبيّن أنّها مزوّرة، وسبق ذلك مقتل «أبو أيوب» العراقي على مدخل صيدا الشمالي عند حاجز الأولي، بعدما شهر قنبلة يدوية، فأطلقت حامية الموقع النار تجاهه، ما أدّى إلى مقتله، واستشهاد أحد العسكريين (15 كانون الأول 2013).

ولاحقاً جرى توقيف عدد آخر من مناصريه الأسير، فيما نجح آخرون بالتواري قبل توقيفهم، حيث اتضح أن هناك مخططات تفجيرية وتوتيرية ومحاولات اغتيال لشخصيات سياسية وروحية وقضائية وعسكرية وأمنية واتهداف مراكز للجيش والقوى الأمنية والمؤسسات العامة بهدف الفتنة.

نقل المعركة
وتُطرح جملة من التساؤلات عن ظروف توقيت الأسير نقل معركته من التركيز على «حزب الله» إلى شن هجوم الآن على الوزير نهاد المشنوق و»تيار المستقبل» و«الجماعة الإسلامية» في وقت تثار فيه قضية أفلام الفيديو المسربة لما جرى من اعتداء على موقوفين إسلاميين في سجن رومية، حيث يوقف أيضاً الكثير ممن غرر بهم الأسير، هذا علما بأنّ النائب بهية الحريري عملت على تأمين موافقة محامين للدفاع عن الموقوفين في أحداث عبرا، وتحريك الملف في المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت، حيث يتوزّع المتّهمون في الملف بين:

– مَنْ شارك في القتال ضد الجيش اللبناني.
– مَنْ كان في عِداد مجموعة الأسير، وكانت له أدوار مراقبة.
– مَنْ هو في عِداد مجموعات الأسير ولم يشارك في هذا القتال.
– مَنْ هو من مناصري الأسير أو روّاد «مسجد بلال بن رباح».
ويبلغ عدد الذين ادّعى عليهم قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا بتاريخ (28 شباط 2014) 87 شخصاً، يتوزّعون وفق الآتي:
– 54 تهمة إطلاق نار على الجيش وقتل ضبّاط وعناصر منهم، وعقوبة تصل إلى الإعدام.
– 14 في السجن من 3 سنوات إلى 15 سنة كحد أقصى.
– 16 موقوفاً بينهم 8 مُنِعَتْ عليهم المحاكمة لعدم الدليل.
– 3 أُسقِطَتْ دعوى الحق العام عنهم لعلّة الوفاة.
كما أن «الجماعة الإسلامية» تتولى رعاية عدد عائلات وأسر الموقوفين من الناحية الاجتماعية والإنسانية وتأمين وسائل نقل بعضهم لزيارة أبنائهم الموقوفين.

وركّز الأسير في تغريداته عبر حسابه على «توتير» في رسائل إلى مناصريه بالقول: «أرجو من إخواني المسارعة بالتواري عن الأنظار كي لا يقعوا فريسة بيد الأجهزة الأمنية ولا سيما في صيدا… سعيت جاهداً لنصرت أمتي بحسب استطاعتي أبناء ديني في لبنان».
كذلك أصدر الأسير تزامناً مع الذكرى الثانية للأحداث في عبرا تسجيلاً صوتياً خصّصه لمهاجمة «الجماعة الإسلامية» قائلاً: «إنّ الجماعة الإسلامية كانت تتمنّى أنْ يسحق أحمد الأسير حسداً من عند أنفسهم، كما التضييق عليه وطرده من بعض المساجد المحسوبة على الجماعة قبل إنشاء «مسجد بلال بن رباح» في عبرا».

واعترف بنجاح الجماعة بالتسويق بين الأوساط الإسلامية أنه «متهوّر ومنفرد»، متهما إياها بالتعاون مع «تيار المستقبل» لإفشال المظاهرات المؤيدة للثورة السورية خارج مدينة صيدا.

وتزامن ذلك مع تمزيق وكتابة عبارات على لافتات رفعتها «الجماعة الإسلامية» في شوارع مدينة صيدا دون أن يتم توقيف أي مشتبه به على الرغم من وجود كاميرات مراقبة لدى العديد من المؤسسات، وفي أكثر من مكان سجل على مقربة منه اعتداء على اللافتات!

أسئلة كثيرة تُطرح لماذا تحوّل خطاب الأسير إلى داخل الطائفة السنية، وفي هذا التوقيت، وماذا يُحضّر للمرحلة المقبلة هو ما ستُجيب عنه الأيام؟.
لكن هل يتعظ الأسير المتواري عن الأنظار من التجارب والاقتناع بوقف الفتك ومحاولات الشرذمة والتفرّقة في ظروف دقيقة وحسّاسة؟!

قد يعجبك ايضا