موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

الخاطفون و ريكاردو جعارة

ناتالي إقليموس – الجمهورية

«بابا بَدّي إرجع عالبيت». هذه كانت أمنية الطفل المخطوف ريكاردو جعارة الوحيدة خلال اتصال الخاطفين بعائلته. فَصل جديد من مسلسل الخطف يُرخي بظلاله هذه المرّة على أسرة جعارة، مثيراً الذعر في نفوس أهالي عمشيت: «مين بيحمي ولادنا من الخطف؟». تكثر الفرضيات، تطول الإشاعات بين اتهام الناطور أو أحد الجيران الأجانب إلى وجود خلافات عائلية. إلّا انّ النتيجة واحدة: مصير إبن الستة أعوام لا يزال مجهولاً.

تعيش عائلة الطفل ريكاردو جعارة حرب أعصاب، على وَقع اتصالات استفزازية مُطالِبة بفدية مالية قدرها 250 ألف دولار، منذ يوم السبت. قبل أن تدرك العائلة أنّ بِكرها قد خُطف.

للوهلة الأولى، اعتقدت أنه في محيط المنزل، خصوصاً أنه لم يَعتَد الخروج إلى الشارع، إلّا انّ الجهة الخاطفة سرعان ما أبلغت الوالدة بعملية الخطف. وفي اتصال ثان فجر الأحد، تمّ مِن رقم سوري يعمل على الشبكة السورية، تحدّث ريكاردو دقائق معدودة مع والدته، مُطمئناً أنه بخير، ولكنه يتمنى العودة إلى المنزل، وهو يرفض تناول الطعام مع الخاطفين.
كيف خُطف؟

في هذا الإطار يؤكّد عَم ريكاردو، سليم جعارة، أن «لا خلافات عائلية، والمحبّة تغمر أفرادها»، ما يُسقِط فرضية وجود أيّ خلافات عائلية ومشكلات داخلية. وعن تفاصيل عملية الخطف، يقول سليم: «لم يخرج ريكاردو يوماً إلى الشارع أو خارج حدود البناية ليلعب، فهو لم يتجاوز أعوامه الستة، ووالدته تخشى عليه كثيراً. إلى الدكانة لا يخرج وحيداً، كل ما في الامر أنه يلهو أحياناً في جوار منزل جدته التي تقطن في الطابق الأرضي من المبنى ذاته».

ويروي سليم الدقائق الأخيرة قبل عملية الخطف صباح السبت، قائلاً: «بعدما انتهى ريكاردو من تناول الفطور، وقفت والدته تُنظّف الأواني، فجمعت بقايا المأكولات لابنها الذي يطيب له إطعامها للدجاجات إلى جانب منزل جدته. ترك ريكاردو المنزل لينزل عند جدّته، مُستخدماً الدرج، بينما أكملت أمه تنظيف الأواني مُنتظرة أن يُعيد لها الصحن. بعدما تأخّر ابنها، خرجت الوالدة تُنادي جدته التي سرعان ما أكّدت لها أنّ ريكاردو لم يصِل».

وعن طبيعة ريكاردو، يقول سليم متأثّراً: «إنه البكر في المنزل، وأخ حَنون لشقيقين، محبّ، ذكي، نشيط، رياضي بامتياز»، رافضاً توجيه الاتهام في أيّ اتجاه: «ثقتنا كبيرة بقدرة القوى الامنية، وسَلّمنا أمرنا للخالق». ويؤكّد سليم أنّ «العائلة لم تتبلّغ أيّ تراجع في قيمة الفِدية، «يا ريت نِزلوا عن الـ250».

عاد الشبح؟

منذ أن خُطِف ريكاردو، وحال من الحذر والترقّب تُهيمنان على أهالي عمشيت، وسؤال مشترك يقضّ مضاجعهم: «مَن يحمي أولادنا من الخطف؟». في هذا السياق، يقول رئيس بلدية عمشيت الدكتور انطوان عيسى: «ما حدث لم يكن أبداً متوقعاً، خصوصاً في المنطقة التي يقطنها الطفل ريكاردو، فهي مقتظّة بالسكان، على عكس بعض الاحياء في عمشيت الهادئة، الفِرداويّة، الساكنة، ذات الطابع التراثي، المحدودة السكن»، مشيراً إلى انّ «الأحياء الجديدة مأهولة، لا بل تعاني كثافة سكانية»، لذا «أستغرب كيف استفرَدَ الخاطف بالطفل وتحايَنَ اللحظة!!… لا شك في أنه راقبَ الأوضاع عن كثب، وبطريقة متواصلة».

ويتوقّف عيسى، عند خصوصية الاوضاع الامنية في عمشيت، محاولاً طمأنة الأهالي: «في البلدة ثكنتان للجيش، ودوريات أمنية، وعلى مستوى البلدية لدينا حرّاس يعملون ليلاً ونهاراً، ولكن المؤسف «الحَرامي ما بينطُر»، والحادثة قد تحصل في أيّ منطقة»، مضيفاً: «في الظروف الطبيعية قد تحدث هذه الحادثة، فكيف بالحري ووطننا يعاني النزوح ومئة ألف مشكلة إنسانية، قد تسبّب خروج البعض عن القانون؟».

لا ينكر عيسى أنّ البلدية، كغيرها من المناطق، تعاني ثغرات أمنية، من ناحية تَعذّر زَرع كاميرات مراقبة في أحياء عمشيت كافة، ويقول: «ربما البلدية «مقَصّرة» بأمور محددة كمسألة الكاميرات، ولكن يصعب مراقبة كلّ الاحياء، كما هو واقع الحال في الدول الأوروبية حيث يكون المواطن مُراقباً منذ اللحظة الأولى لتَنقّله».

ويضيف: «بعض الكاميرات متوافرة، ولكنها غير كافية، ما سَبّبَ فجوة أمنية، أو ربما تَرَصّد أحد سكان الحي الطفل واختطفه في اللحظة التي ظَهرَ فيها»، مشيراً إلى انّ «خَطف الولد من دون أن يلمحه أحد، يؤكّد نظرية انّ الطفل مُراقَب، واحتمال وجود أكثر من شخص وراء الجهة الخاطفة».

ما الجديد؟

وسط تكتم أمني حرصاً على إعادة الطفل سليماً، تتواصَل التحقيقات، وآخرها مع الناطور الذي يقطن وحيداً في البناية، وأفراد أسرته الذين يسكنون في المبنى الملاصِق لعائلة جعارة.

وفي وقت يبقى باب السيناريوهات مفتوحاً على مصراعيه، يتأمّل أهالي عمشيت، بصعوبة، أن تكون هذه الحادثة هي الاخيرة، خصوصاً أنهم ضاقوا ذرعاً بعدما تخطّى عدد النازحين في بلدتهم الألفين ومئتين. وليلاً عاد وأكّد سليم (عمّ الطفل) «أنّ العائلة لم تتبلّغ أيّ اتصال جديد، ومصير ريكاردو لا يزال مجهولاً».

قد يعجبك ايضا