موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

بين “يومي الغضب” الأزرق والبرتقالي… تبادل أدوار فاقع!

حسين عاصي – خاص النشرة

إلى الشارع، لجأ “التيار الوطني الحر” في “نضاله” من أجل استعادة الحقوق المسيحية، كما يقول أنصاره، وهو شعارٌ ينزل لمستوى وصول رئيسه العماد ميشال عون إلى بعبدا ووصول صهره العميد شامل روكز إلى اليرزة، كما يذهب خصومه إلى القول.
في كلتا الحالتين، ينطلق “التيار” من حقٍ بديهي تضمنه أرقى الديمقراطيات بالاعتصام السلمي للتعبير عن أيّ موقفٍ احتجاجي أو اعتراضي. مع ذلك، فقد رُشِق الرجل بالحجارة بسبب ذلك، خصوصًا من قبل “تيار المستقبل”، تارة لأنّ الوضع الأمني ليس ملائمًا، وتارة أخرى لأنّ لعبة الشارع سلاحٌ ذو حدّين، قد يجلب معه الويلات على الوطن، كلّ الوطن.
ولكن ألم تكن هذه اللعبة بالتحديد التي لجأ إليها “التيار الأزرق” في “يوم الغضب” الشهير الذي نظّمه احتجاجاً على تسمية نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة خلفاً لسعد الحريري وفقاً للأصول والأعراف؟ وألم يكن العماد عون شخصيًا مِن بين مَن تصدّوا لهذه اللعبة ودعوا الحريري لاحترام القواعد الديمقراطية؟ لماذا يتبادل الجانبان الأدوار اليوم إذاً؟

الحريري أو لا أحد؟!
“المقارنة لا تجوز”. هي عبارة واحدة تتقاطع مصادر نيابية في “كتلة المستقبل” وفي “التيار الوطني الحر” على اعتمادها إزاء هذه المقاربة، وقد تكون النقطة المشتركة الوحيدة في قراءة كلّ من الفريقين للوضع المستجدّ، بعدما انتهى “شهر العسل” بينهما الذي كان ناتجاً عمليًا عن “زواج مصلحة” حاول كلّ منهما توظيفه لصالحه، قبل أن يخيب أملهُ.
المقارنة لا تجوز بالنسبة لمصادر “المستقبل”، أولاً لأنّ الظروف التي فرضت “يوم الغضب الأزرق” تختلف جذرياً عن تلك التي يُقال أنّها تفرض اليوم يومًا مماثلاً، ولكن بلونٍ برتقالي. هي تذكّر أنّ هذا اليوم كان يومًا عفويًا، ولم يجرِ التحضير والترويج له على مدى أسابيع، ولا تضخيمه عبر القول بأنّ هدفه قلب الطاولة على الجميع أو تغيير النظام من أساسه، وبعكس ما تفعله قيادة “الوطني الحر” من تحريضٍ وتجييشٍ للناس، فإنّ قيادة “المستقبل” هي من تلقفت الكرة ودعت الناس للانسحاب من الشارع، خشية العواقب الوخيمة.
أكثر من ذلك، تقول مصادر “المستقبل” أنّ الشعار الذي كان “التيار الأزرق” يرفعه في هذا الاعتصام لم يكن “الحريري أو لا أحد”، وأنّه لم يتحرّك في الشارع لأنّ مرشحه لمنصبٍ معيّن لم يصل إلى هذا المركز، وإن حاول البعض تصويره كذلك، ولكنّه كان بمثابة ردّة فعل عفوية على “الانقلاب” الذي حصل بين ليلةٍ وضُحاها، بواسطة “القمصان السود”، وبتواطؤ من يتّصفون بـ”الغدر” الذين “أعمتهم” المناصب، على حدّ تعبيرها.
وتشير هذه المصادر إلى أنّ المقارنة لا تجوز أيضًا، لأنّ تحرّك “المستقبل” العفوي يومها كان محدوداً ولم تُرفَع فيه الأسقف بأيّ شكلٍ من الأشكال، بدليل أنّه تمّ فضُّهُ في اليوم نفسه، وانتقل “المستقبل” إلى المعارضة السياسية للحكومة من خارجها، من دون اعتصامات مفتوحة أو عصيانات أو ما شابه، بل إنّ من تمادى برفع الأسقف وتحدّث عن “ماردٍ سنّي” وما شابه من الشعارات التي يرفع “العونيون” اليوم “نظراءها” في الساحة المسيحية أصبح خارج صفوف “التيار الأزرق” جراء ذلك.

قاعدة ذهبية جديدة!
عمومًا، لا تقنع هذه المقاربة مصادر “الوطني الحر” بالمُطلَق. لا فرق، برأيها، سواء رُفِعت الأسقف إلى أقصى حدّ أو لم تُرفَع، سواء كان التحرّك محدوداً ليومٍ واحدٍ أو لأيامٍ وأسابيع وأشهر عديدة، علمًا أنّ تحرّك ساعةٍ واحدة في بعض الأحيان يمكن أن يكون مؤثراً، إيجابًا أو سلباً، أكثر من تحرّك يمتدّ سنواتٍ.
تلاحظ هذه المصادر أنّ خطاب “المستقبل” هذه الأيام، عنوانه واحد: لعبة الشارع مؤذية وحارقة، وتسأل: “هل هي قاعدة ذهبية جديدة اكتشفها التيار الأزرق حديثاً أو توصّل إليها بعد بحثٍ متأنٍ وعميقٍ ولم يكن يعرفها في السابق؟ أم أنّ ما هو حلالٌ بالنسبة له محرّمٌ على غيره، ولو كان ديمقراطياً وراقياً؟”
برأي المصادر “العونية”، المقارنة لا تجوز أيضًا، ولكن لاعتباراتٍ مختلفة مئة وثمانين درجة عن الاعتبارات “المستقبلية”، وأولها أنّ مقولة أنّ الوضع الأمني غير الملائم لأيّ تحرّكٍ في الشارع تنطبق على ظرف “يوم الغضب المستقبلي” أكثر من اليوم، خصوصًا أنّ الوضع الأمني يكاد يكون الأفضل في المنطقة، والبلاد مرتاحة نسبياً من الخطر الإرهابي الرابض على الحدود، وذلك بفضل تصدّي الجيش و”حزب الله” للتنظيمات الإرهابية، وأيضًا وللمفارقة، بعكس إرادة “المستقبل” نفسه.
أما الاعتبار الثاني، تقول مصادر “التيار”، فهو أنّ الحراك “العوني” حُكِم عليه سلبًا ورُشِق بالحجارة قبل أن يُعرَف خيره من شرّه، وهو لا يمكن أن يُقارَن بـ”يوم الغضب المستقبلي” الذي لم يكن سلمياً بأيّ شكلٍ من الأشكال، والكلّ يتذكّر المشاهد الدموية والعنيفة التي سادته، والاعتداءات التي تعرّض لها المواطنون الآمنون والصحافيون الذين كانوا يقومون بواجبهم بتغطية الوقائع على الأرض، فإذا بهم يتحوّلون إلى “أهداف”.
ويبقى اعتبارٌ ثالث يتعلق بالهدف من الاعتصام، ففي الحالة الأولى، نزل “المستقبل” إلى الشارع لأنّ مقعد رئاسة الحكومة سُحِب من “الشيخ سعد” بطريقةٍ ديمقراطية، وهذه ليست أبداً حال “الوطني الحر” اليوم، على حدّ تعبير مصادره، التي تقول أنّه لم ينزل إلى الشارع لأنّ مرشحاً غير عون انتُخِب رئيساً بطريقة ديمقراطية، أو لأنّ عسكرياً أكثر كفاءة من العميد شامل روكز وصل لقيادة الجيش بطريقةٍ ديمقراطية، وتشدّد على أنّ المعركة باتت أكبر من الرئاسة والتعيينات، وباتت معركة وجودية بكلّ ما للكلمة من معنى.

المقارنة تجوز وأكثر…
المقارنة لا تجوز إذاً. هكذا يقول “المستقبل” ليبرّر نزوله إلى الشارع في السابق من أجل “مقعد”، واعتراضه الشرس على استخدام هذه “اللعبة الخطيرة” اليوم. وهكذا يقول “الوطني الحر” اليوم ليبرّر وقوفه ضدّ هذا الخيار في السابق اعتراضًا على ديمقراطية أفرزها النظام البائس، ووصوله اليوم إلى “انتفاضة شعبية” ضدّ النظام برمّته.
نعم، المقارنة لا تجوز بتاتاً في لغة “المصالح السياسية” التي فرضت “تبادلاً فاقعاً” للأدوار بين التيار “الأزرق” و”البرتقالي”، ولكنّها عملياً تجوز وأكثر، لتفضح عقليّة لا تزال تنظر للأمور من منظارها هي دون غيرها، فيما المطلوب اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى التوصّل إلى “رؤية مشتركة” لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتطوير ما يمكن تطويره في هذا النظام المهترئ، والمضيّ إلى الأمام بعد ذلك…

قد يعجبك ايضا