موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

من فيينا إلى بيروت.. لم تحن الساعة بعد

بالنسبة إلى كثر، ممن هم قادرون على اختراق الأسوار الحديدية المحصنة، فإنّ الاتفاق النووي لم يكن مفاجئاً. المؤشرات التي سبقته كانت أكثر من أكيدة أن عقارب المفاوضات لن تعود إلى الوراء، وأن الحاجة إلى الاتفاق أكبر من قدرة المتضررين منه، على تعطيله أو فرملة اندفاعته.
ولم يكن غريباً أن تنتهي ليالي فيينا الطويلة برقصة “فالز” تجمع “الشيطان الأكبر” بواحدة من دول “محور الشرّ”، طالما أنّ من قرر الجلوس على الطاولة، مقتنع بأنه لن يتركها الا بعد رفع راية الاتفاق. فالصورة الجامعة، التاريخية، كما وصفها وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، التي أعادت ايران إلى قلب المجتمع الدولة كدولة “عتبة نووية”، ستكون في النتيجة، أول البداية، وليس آخر النهاية.

على هذا الأساس تتعامل القوى الاقليمية، من دول وأطراف فاعلة أو مؤثرة مع هذا الحدث العالمي، لأنه ما بعده سيكون مغايراً لما قبله. أن تكون طهران شريكة لدول القرار، معترف بها من جانب “أولياء العالم”، فهذا سيغير في المشهد الاقليمي وسيبدل معالمه.

ولهذا لم ينتظر بعض اللبنانيين ورود أنباء الفجر المبشّرة بولادة اتفاق تاريخي أعاد الجمهورية الاسلامية الايرانية إلى بيت الطاعة الدولي، وحررها من عقوبات اقتصادية ومالية أنهكت خزينتها، ولو على حساب تقدمها النووي، كي يبحر في عمق التحليلات الاستراتيجية والجيوسياسية التي يمكن للاتفاق أن يكرسها.

لا بل استبقوا الحدث التاريخي بأيام وأسابيع، وراحوا يفرغون ما في أكمامهم من أرانب ترسم سيناريوهات لما سيكون عليه العالم ما بعد الاتفاق، وكيف ستوزّع نِعمه على خطوط الاشتباك، واستطراداً على “مركز الجاذبية”، لبنان. أقله هكذا يعتقدون.

بعض هؤلاء أمسك طرف خيط التفاهم الدولي وراح ينسج روايات وقصصاً ويضرب مواعيد حاسمة للترجمة السياسية للاتفاق. حتى أنّه ينقل عن الرئيس نبيه بري اصراره على أن ما حصل في فيينا سيفتح الباب أمام تفاهمات إقليمية سرعان ما ستدقّ الباب اللبناني لتقرع أجراس الرئاسة وتخرج فخامة الشغور من القصر.

تجتاح هؤلاء موجة من التفاؤل التي تجعل من لبنان محط اهتمام اقليمي، ويتناسون أنّ بلد الأرز خرج عن لائحة الاهتمامات الدولية، ويكاد يصير منسياً لولا مشاركة “حزب الله” في القتال السوري ولعبه دوراً مؤثراً في مجرى الأحداث في سوريا.

ولهذا، ثمة من يجزم بأن البنانيين عاجزون عن التقاط الأسرار الكبيرة التي حضنتها أروقة فيينا، والتي من شأنها أن ترسم معالم المنطقة في السنوات المقبلة، أو صياغة قراءات موضوعية وجدية لما يمكن أن يكون مخبأ للبنان.

ومع ذلك، يذهب أحد المطلعين إلى حدّ التأكيد أنّ كل الروايات المتداولة لا تمتّ للواقع بصلة، مشدداً على أنّ القراءات التقليدية لم تعد تنفع ولم تعد قادرة على استطلاع أحوال المنطقة المستقبلية، بعدما تغيّرت المقاربات الدولية، وتغيّر اللاعبون المتحكمون بالعنق اللبناني.

ويقول إنّه يمكن الركون إلى سلسلة عناوين واعتبارات لفهم ما يجري من خلف الحدود اللبنانية، وأبرزها:

– ايران والسعودية غير مستعجلتين أبداً لوضع ملفاتهما على طاولة البحث، وليستا مضطرتين لتقديم أي تنازل من باب صياغة التفاهم، وهو بالطبع ممر الزامي لأي اتفاق.

– الكلام عن مقايضة قد تحصل بين الملفين اليمني واللبناني، ليس جدياً ولا يستند الى معطيات منطقية، كما أن الملف اللبناني لا يقل تعقيداً عن غيره من الملفات الشائكة، باستثناء أن الساحة اللبنانية غير مشتعلة، ما يعني أن بامكانها الانتظار وليس هناك من ضرورة قصوى لرفع مرتبتها على جدول أعمال الحوار الاقليمي، في حال تمّ انعاشه.

– ايران الخارجة من نفق المفاوضات، منتصرة، لن تقدم على أي خطوة تنازلية كي يحتفل اللبنانيون بانتخاب رئيس لهم، كذلك الأمر بالنسبة إلى السعودية التي ستتشدد في موقفها أكثر وأكثر، ما يعني أنها لن تسمح بانتخاب رئيس يكون بمثابة انكسار لفريقها اللبناني.

– ليس بمقدور سعد الحريري مصافحة ميشال عون تعبيراً عن اتفاق معه كونه عاجزاً عن تلبية لائحة مطالبه، وليس بامكانه أيضاً مصافحة قادة “حزب الله” لأنها ستكون أكثر كلفة، وبالتالي لا خيار أمامه سوى الانتظار والتفرج.

– البيت الأبيض الذي يحتفل بما أنجزه فريقه الديبلوماسي، وسيسجله له التاريخ كواحد من أهم الاتفاقات الدولية، يحيّد نفسه، عن صراعات المنطقة، من دون أن يعني ذلك أنّ واشنطن تفتقد لمقاربة واضحة لملفات الاشتباك الممتدة من اليمن الى لبنان مروراً بالعراق وسوريا.

لكنها تلتزم اللا موقف وفقاً لخارطة مصالحها، مع أنها تحاول إسداء النصح لحليفتها السعودية بغية التوصل إلى اتفاق سياسي في اليمن، لكنّها تفضل أن تبقي نفسها على مسافة، صارت بادية للعيان، ولها بالطبع معانيها الديبلوماسية.

في النتيجة، لا امكانية وفق أصحاب هذه القراءة لحصول التغيير الكبير في المنطقة، الا في حال الانكسار العسكري الموسع، وهذا مستحيل. أو في حال حياكة تسوية كبرى تشمل كل الملفات الخلافية… يبدو أن أوانها لم يحن بعد.

وبالتالي ما على اللبنانيين الا الانتظار.

المصدر: لبنان24

قد يعجبك ايضا