موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

ساعة “رولكس” لتنحّي قاضٍ عن قضيّة

4

يتناقل الكثيرون أخبار إفساد القضاء. يتحدثون عن رشى تُدفع لقضاة وموظفين من أجل تغيير مسار المحاكمات. يقبل البعض ويرفض البعض الآخر. تتخذ الرشوة أشكالاً عدّة، فإما أن تكون شيكاً أو تقديم خدمات معينة أو هدايا مثل ساعة “رولكس” بقيمة 35 ألف دولار تُعرض على قاض للتنحي عن قضية ينظر فيها.

لا يحتاج الأمر في لبنان الى “جرأة” كبيرة لعرض رشوة على قاضٍ. العملية سهلة، والدعوى التي رفعها القاضي باسم تقي الدين بحق من حاول أن يرشيه تعدّ نموذجاً لكيفية حصول الأمر. فالراشي لا يعرض الرشوة (دائماً) بشكل مباشر على القاضي الذي يريد “تطويعه”، إنما هناك دائماً وسيط وهناك قيمة معينة لكل طلب، فيتبين أن طلب التنحي عن قضية من نوع شيك بلا رصيد تبلغ تكلفته ساعة “رولكس” بقيمة 35 ألف دولار للقاضي، وساعة من الماركة نفسها بقيمة 15 ألف دولار للوسيط. في هذا النموذج، رفض القاضي الرشوة، لكنه بالمقابل لم يرَ ضرورة للادعاء على الراشي إلا عندما حاول المتهم أن يُلصق بالقاضي تهمة بهدف إزاحته عن القضية عنوة.

في 20 شباط 2015، تقدّم القاضي باسم تقي الدين بإخبار لدى النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود موضوعه محاولة رشوة. اتخذ القاضي صفة الادعاء الشخصي بحق كل من: خليل، محمد وفؤاد قهوجي بجرمَي الرشوة والتزوير، طالباً اتخاذ أشد العقوبات بحقهم. لم يدّع القاضي فوراً على فؤاد قهوجي بتهمة محاولة رشوته، على الرغم من وقوعها في أيلول من عام 2014. آنذاك، آثر “عدم التسرّع بتقديم أي شكوى”، بحسب ما صرّح به في الإخبار الى النيابة العامة التمييزية، علماً بأنّ محاولة رشوة قاض تعدّ مسّاً بهيبة القضاء ونوعاً من الاحتقار لسلطة القاضي، ما يستوجب التشدّد في معاقبة الراشي. ما دفع القاضي تقي الدين الى الادعاء ليس واقعة حصول محاولة الرشوة، بل التطورات اللاحقة، إذ تبيّن أن السبب الفعلي للدعوى هو اتهام قهوجي بالتزوير واستخدام المزور في محاولة منه لإبعاد تقي الدين عن قضية تخصّ شقيقَي فؤاد.

تفاصيل هذه القضية يرويها القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق في بيروت فادي العنيسي في 13 تموز الماضي، إذ تبين ان القاضي تقي الدين أرسل سيارته في شهر آب عام 2014 مع صديقه هادي شلق من أجل إجراء بعض أعمال الدهان. ونظراً لامتلاك شلق شركة لتأجير السيارات، فهو على علاقة عمل مع فؤاد قهوجي الذي يدير محلاً لتصليح السيارات والحدادة والبويا. لذلك أرسل شلق السيارة التي تحمل لوحة تسجيل “قضاء” الى محل قهوجي “من دون علم القاضي بالمحل الذي أُرسلت إليه السيارة”، كما يرد في القرار الظني. في الوقت نفسه، كان هناك دعوى عالقة أمام تقي الدين بموضوع شيك من دون رصيد، والمدعى عليهما هما خليل ومحمد قهوجي، شقيقا فؤاد قهوجي.

اتفق شلق وقهوجي على كلفة 800 دولار لتصليح سيارة القاضي تقي الدين، قبل أن يعلم قهوجي لاحقاً من هو مالك السيارة، بحسب ما يذكر القرار الظني، فعمد قهوجي الى “فك قطع منها وصوّرها بشكل يوحي بأنه يقوم بإجراء إصلاحات كبيرة واحتفظ بتلك الصور، وبعد ذلك سلّم السيارة الى شلق الذي دفع الكلفة المتفق عليها”. يتابع القرار الظني أنّ فؤاد قهوجي كان يرغب في أن يتنحى تقي الدين عن النظر بالقضية، “إلا أنه لم يكن هناك أي سبب قانوني للتنحي، فقرر عندها قهوجي أن يلجأ الى طرق غير مشروعة لحمل القاضي على التنحي”. قصد قهوجي شركة شلق خلال شهر أيلول عام 2014 وعرض عليه أن يهدي تقي الدين ساعة “رولكس”، بقيمة 35 ألف دولار لقاء تنحّيه عن قضية شقيقيه، كما عرض على شلق ساعة بقيمة 15 ألف دولار، فتعجب شلق من “السلوك غير الأخلاقي”، بحسب ما جاء في القرار الظني، وأوقف التعامل التجاري مع قهوجي وأبلغ القاضي تقي الدين بما حصل.

تبيّن أنه في الإخبار المقدم من تقي الدين أمام القاضي سمير حمود، يقول إنّ شلق أعلمه بما حصل وأبدى استعداده للإدلاء بإفادته، علماً بأنّ موضوع الرشوة مسجل لوجود كاميرات في مكتب شلق، لكنه (تقي الدين) فضّل عدم التسرع بتقديم أي شكوى، ما يثير التساؤل عن سبب تريّث القاضي وعدم رفعه دعوى على الفور، وخصوصاً أنّ الأمر يتعلق بعرض رشوة!

بتاريخ 19 شباط من العام الحالي، انعقدت جلسة محاكمة في قضية شقيقَي قهوجي أمام غرفة تقي الدين. وعندما شعر الشقيقان بأن الأمور لا تسير لمصلحتهما، قررا التقدم بطلب يرمي الى رد القاضي تقي الدين. وعليه، قام خليل وفؤاد قهوجي في اليوم عينه باختلاق فاتورة باسم تقي الدين بقيمة 4 آلاف دولار أوردا فيها القيام بعدة تصليحات لسيارة القاضي. وتقدم خليل ومحمد قهوجي بعد يومين بطلب أمام محكمة الاستئناف المدنية المختصة في بيروت يرمي الى رد القاضي تقي الدين وأرفقا صورة عن الفاتورة المزورة بهدف القول إن هناك ديناً لمصلحتهما بذمة القاضي من أجل دفع المحكمة إلى قبول طلب الرد. هذا الأمر دفع القاضي تقي الدين الى رفع دعوى على الثلاثة بجرمَي الرشوة والتزوير، معتبراً أنّ ما يؤكد التزوير هو أن سيارته مؤمنة ضد الحوادث. ولو كانت فعلاً تعرضت لحادث سيكلف 4 آلاف دولار إصلاحات لكان أصلحها على حساب الشركة.

لكن من هو فؤاد قهوجي؟

ليس قهوجي صاحب محل لتصليح السيارات فقط، إنما هو واحد من أبرز الأشخاص الذين وردت أسماؤهم كمشتبه فيهم في فضيحة بنك المدينة، إحدى أكبر الفضائح التي حصلت في لبنان والتي لم يحاسب أحد فيها، وقد حددت لجنة الخبراء الموكلة من قبل النائب العام التمييزي مدى انطباق صفة تبييض الأموال على عمليات بنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد، ودور قهوجي في هذه الفضيحة. وتبيّن للجنة أن قهوجي، وفق اعترافات ابراهيم أبو عياش، كان من الذين اعتمدتهم رنا قليلات لتبييض الأموال النقدية الواردة من العراق لاستبدالها بشيكات مصرفية يتم إيداعها لاحقاً في حسابات قليلات.

(ايفا الشوفي – “الأخبار”)

قد يعجبك ايضا