موقع أونلي ليبانون الإلكتروني

سيلفي: «الأنا» و العالم متخلّف خلفي

يوم لم تكن الهواتف “ذكية” بعد، و يوم لم يكن الجوال و الانترنت منتشران في كل بيت، بل في كل جيب، كانت سحر تحمل كاميرتها الحمراء، ذات الفيلم و ال36 صورة و البطاريات العادية (المعروفة بحجم الاصبع)، تقف أمام المرآة و تصوّر انعكاسها. هكذا و منذ أكثر من 20 عاماً تصورت (السيلفي) في صباها، يوم لم تكن “التسمية” مبتكرة بعد.
و تقول إحداهن “عندما كنّا صغاراً، و قبل تطور آلة التصوير، كانت أمي تضبط التصوير التلقائي، تثبت الكاميرا القديمة على إحدى الرفوف و تركض لتحضننا و نبتسم للعدسة”.

تعلّق أخرى” كنا نقلب الكاميرا أحيانا باتجاهنا و نصور عالعمياني، عندما لا نجد من يصورنا”.

و لكن حديثاً استفاق العالم على مصطلح “السيلفي”، الموضة الرائجة التي انتشرت مواكبةً لتطور الهواتف الذكية. الكلمة أطلقت منذ عام 2002، و أشيعت عام 2012 في حفل توزيع جوائز الأوسكار في هوليوود، حيث التقط مجموعة من “النجوم” صورة جامعه، أدرجت بعنوان “سيلفي”. و من النجوم إلى الساسه إلى كل صغير و كبير. و من منّا لا يعرف “السيلفي” و عصاها، رفيقة ذراع جيل اليوم، المنهمك بتصوير نفسه حتى بات لا ينظر إلى الأحداث و المناسبات المحيطه به إلا عبر شاشات الهواتف الذكية.

اصطلاحاً تعني (السيلفي) تصوير الفرد لنفسه عبر الهاتف الذكي أو كاميرا الحاسوب و غالباً ما يتم نشر الصور في مواقع التواصل الإجتماعي. هكذا عرّفها قاموس “أوكسفورد” بعد ادرجها كمصطلح رسمي.

يشتق اسمها من كلمة self أي الذات أو النفس. و محور الصورة كما تدل التسمية (الأنا). و قد درج استخدام عبارة “سيلفي و فلان خلفي”، أنا الركيزة و ذاك الشخص أو الشيء خلفي، متخلّف عني، حيث (الأنا) الأساس و المحيط كله تفصيل مقزّم. و من شأن ذلك، في حالات الهوس، تعزيز نرجسية الفرد، خاصة في سن المراهقة و رفع مستوى الأنانية (selfishness) في شخصيته و إن بشكل طفيف. و ليس في ذلك مبالغة عندما ينصب جل تفكير المراهق في كيفية التقاط الصورة الذاتية الأفضل.

لذلك يتجه خبراء منظمة الصحة العالمية إلى إدراج الادمان على التقاط صور (السيلفي) و استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، كمرض أو خلل نفسي شأنه شأن غيره من الاضطرابات. و ذلك ضمن قائمة التصنيف الدولي للأمراض النفسية.

إضافة إلى ذلك، و من ناحية إجتماعية يفوت الأفراد أحياناً الإستمتاع باللحظه، عندما صبون كل تركيزهم في المناسبات على توثيق الحدث بأفضل صور ذاتيه و غير ذاتية. و ذلك بغية التباهي بها على مواقع التواصل الاجتماعي، و حصد الكثير من الاعجابات و التعليقات. يفوتهم أن يعيشوا لذة اللحظه، ففي كل المهرجانات و الأفراح و الأتراح أيادٍ ترفع هواتف ذكيه، تنظر لشاشاتها لا للحدث. هوس اجتماعي منتشر من حيث لا ندري عالمياً.

و في السياق ذاته، تتشعب من ظاهرة السيلفي ظاهرة متفشية، فهوس الصور الذاتية له عادات تتمثل (بالبوزات) النموذجية. و بعدما كان من أولويات التصور تجسيد العفوية عبر الضحك أو التبسّم أو حتى نظرة التأمل، و بعدما كان الجيل السابق يضع إناء الزهور الاصطناعية بجانبه لإضفاء الجماليه على الصورة، تغيرت القواعد إلى ثلاثة عناصر: وجه البطه (duck face) و شارة الثمانية و تفجير العينين. و الغالب يتلقى و يقلّد تماشياً مع الدارج.

و المشكلة ليست في فعل التصوير، بل في الإدمان و تحول الصغار إلى مجرد متلقٍ يتماهى بكل ما يصله من أفكار رائجة، مهما كان مضمونها أو رمزيتها. و استطراداً، إحداهن قالت لدى سؤالنا عن سبب اتباعها (الحركات الرائجه) في صورها، “مجرد صورة! لا تعقدوا الأمور”. و لكن هل تسائلتم يوماً ما مصدر تلك الحركات و دلالاتها؟

داليا بوصي

قد يعجبك ايضا